الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عندما لعبت أميركا في دستورها!

عندما لعبت أميركا في دستورها!

أيمن حسين

استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الأربعاء، حق النقض الرئاسي “الفيتو” لإبطال مشروع قانون أقره الكونجرس ينهي الدعم الأميركي للعمليات العسكرية التي تقودها السعودية في اليمن، ودافع عن استخدامه الفيتو بقوله “هذا القرار محاولة غير ضرورية وخطيرة لإضعاف سلطاتي الدستورية”، وهي المرة الثانية التي يستخدم فيها “الفيتو” ضد قرار الكونجرس بعد استخدامه لوقف حالة الطوارئ الحدودية التي أعلنها من أجل تأمين المزيد من التمويل لجداره بين الولايات المتحدة والمكسيك في مارس الماضي ـ بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام.
رغم اللغط الكبير حول ترامب وطريقة إدارته، إلا أنه يتعامل مع كل المشكلات التي تواجهه داخليا وفق القانون والدستور الأميركي، كما تستمد الولايات المتحدة الأميركية قوتها العالمية من صلادة نظام الدولة الذي يرتبط بمبادئ جمة تم صياغتها منذ أكثر من 200 عام من خلال دستور لا يعرف شخص الحاكم ولا المحكوم، ولا رؤساء أجهزة الدولة، ولا يضع ميزات تفردية للمؤسسات، وإنما دستور تتكامل من خلاله الحريات والواجبات.
ويعتبر الدستور الأميركي من أقدم الدساتير في العالم، وأقلها تقبلا للتعديلات، فلم يتلق تعديلا سوى مرة واحدة عام 1791 أي بعد ما يقرب من 7 سنوات على إقراره، حيث تم إضافة وثيقة الحقوق التي تضم 10 مواد تتضمن “أنه لا يحق لمجلس الشيوخ سن قوانين تفرض اتباع دين معين، وتمنع حرية النقد حديثا أو كتابة أو تحد من حرية الصحافة أو تمنع التجمعات الشعبية للتعبير عن مطالبهم، ولا يحق لمجلس الشيوخ أيضا سن قانون يمنع المواطنين من حمل السلاح أو اقتنائه أو بيعه، أو شرائه. ولا يحق لأحد ممثلي الدولة أو الجيش دخول بيت مواطن إلا بموافقة المالك، ولا يحق للدولة البحث في أوراق أو ممتلكات المواطنين، ولا يحق أخذ أموال الأفراد العقارية بدون تعويض مقبول من المواطنين، وفي حالة ارتكاب جريمة فللمجرم الحق في الإسراع لمحاكمته، وله الحق في أن يعرف الجرم الذي ارتكبه أو المخالفة التي قام بها، وله الحق في مقابلة الشهود الذين يشهدون ضده وسماع أقوالهم، وله الحق في الحصول على شهود لمصلحته وله الحق في تعيين مجلس قضائي يدافع عنه” ـ وذلك حسب الموسوعة الحرة ويكيبيديا.
لم يخدم النظام القائم خلال فترة حكم أي رئيس للبيت الأبيض فكرة بقائه في السلطة، ولم يقم الكونجرس بإعلان ولائه للنظام؛ بل على النقيض تماما نجد أعضاء الكونجرس في حالة مواجهة دائمة مع البيت الأبيض لدرجة أننا نجد نوابا من الحزب الذي ينتمي له الرئيس يواجهونه لعدم اقتناعهم بسياساته، وهو ما يحدث حاليا مع ترامب.
كذلك الحال بالنسبة لعلاقة السلطة القضائية بالتنفيذية، حيث يخضع الرئيس للاستجوب والتحقيق، وهو ما حدث مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون والحالي دونالد ترامب، ويمكن توجيه الاتهام له؛ لكن لا يمكن للبيت الأبيض أن يوجه القضاء سواء للإسراع أو التباطؤ في إصدار الأحكام، أو توجيه اتهامات لأي شخص داخل أو خارج الولايات المتحدة.
لم تقدم النخب الحاكمة (ديمقراطية أو جمهورية) حججا واهية لتقديم مبررات لتعديل دستور بلادها، فالرئيس توماس وودرو ويلسون عاصر الحرب العالمية الأولى، وقاد فرانكلين روزفلت بلاده في الحرب العالمية الثانية، وشارك جورج بوش الأب في حرب الخليج مطلع التسعينيات، كما حارب جورج دبليو بوش العالم منفردا بداعي “محاربة الإرهاب”، وها هو ترامب يواجه حربا اقتصادية ويحقق فيها نصرا كل يوم لبلاده، ولم يذكر التاريخ أن عضوا من الكونجرس أو حتى أعضاء من الحزب الحاكم أقدموا على خطوة تمديد ولاية الرئيس لدعم الاستقرار والتنمية، ولم تهفُ أهواؤهم لحظة صوب الدستور لتعديله.
حتى فكرة تعديل الدستور الأميركي محصنة من داخل الدستور نفسه، فاشترطت أن يقدم مقترح التعديل إلى الكونجرس من ثلثي الأعضاء، على أن يوافق على التعديل ثلاثة أرباع الولايات، ناهيك عن الاستقلالية التامة التي يتمتع بها النواب وعدم تداخل الأجهزة في توجيههم، حتى أن المرة التي أجري فيها تعديل كانت لإضافة وثيقة الحقوق.
الدستور الأميركي استمد نصوصه من نظريات مفكري العقد الاجتماعي، خصوصا الفلاسفة الإنجليز جون لوك وتوماس هوبز وإدوارد كوك، والفرنسي جان جاك روسو، وبالتالي نظم عملية الالتزام بأداء الواجبات وحفظ الحقوق، وأعلى مبدأ المواطنة، وحدد أن يكون الالتزام السياسي وفق العقل والمنطق والمصلحة دون الجور على حقوق المواطنين أو التعرض لمستقبل الأجيال القادمة، فأنبت هذا الالتزام احتراما من جميع الهيئات والمؤسسات لنصوصه، ولم تجرؤ أي مؤسسة على ارتكاب أدنى مخالفة له.
إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية على رأس قائمة الدول المتقدمة في العالم، فيمكن للدول الأخرى أن تصطف مع هذه الدول لو اتبعت احتراما لمواطنيها، وقدمت الحقوق والحريات في وثائقها الدستورية والتزمت بتطبيقها على أرض الواقع، وانتهجت جماعية الدولة وتركت خلفها نظرية الفردية سواء كانت مؤسسة أو شخصا، واحترمت وثائقها الدستورية، فعندما لعبت أميركا في دستورها كان لصالح الحقوق والحريات وليس لصالح نظام.

إلى الأعلى