الإثنين 20 مايو 2019 م - ١٤ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في ذكرى تحرير سيناء… لماذا لم ننصت لصوت العقل والحكمة؟

في ذكرى تحرير سيناء… لماذا لم ننصت لصوت العقل والحكمة؟

مسعود الحضرمي

ما هي إلا أيام تفصلنا عن إحياء الذكرى السابعة والثلاثين من تحرير سيناء المصرية من الاحتلال الإسرائيلي الذي استمر ما بين شد الحرب وجذب المفاوضات قرابة الخمسة عشر عاما، والذي يصادف يوم 25 إبريل من كل عام. إن هذه الخطوة تثبت أن الحرب لا تقود إلا إلى حرب، وأن الخروج من الصراع بانتصار لا بد وأن يستغل في اتجاه آخر، وهو الجنوح نحو المفاوضات مع الطرف الخاسر، وبعيدا عن الشعارات التي ما فتئت تنطلق من حناجر بعضهم في أن لا سلام ولا صفح مع العدو أو المحتل. ولكن، كيف الحال وقد كان الانتصار مشهودا وأعاد الكرامة والعزة للأمة العربية في حروب أكتوبر المجيدة عام 1973 بعد انتكاسة أفقدتها قلبها النابض وأحالت شمسها لغياب طويل عام 1967 حين طالت كلا من فلسطين وعاصمتها القدس ومصر وجولان سوريا. نعم، خرجنا من حرب 1973 منتصرين حتى وإن كان الانتصار جزئيا كي لا يتهمنا القراء أو المؤرخون بأننا لا نرى من الحقيقة إلا سطحها ولم نتعمق فيها. لكن العزم كان معقودا على مواصلة مسيرة التحرير سواء بالسلم أو الحرب مجددا.
لسنا هنا للإطراء أو المدح لقيادات بحد ذاتها، إنما نتحدث بشيء مما بلغنا به العلم بأن تلك الفترة كانت عصيبة على الأمة العربية، وكانت الشعوب تتطلع إلى فجر يعيد لها الحياة والاستقرار، بعد سنوات طويلة من الصراع وفشل الهيئات الأممية الدولية في وضع حل له. فما أكثر القرارات التي صدرت دوليا وما أكثر مرات الفيتو التي استخدمت من أجل إسقاطها، ورغم كل المحاولات عربيا أو دوليا، لكن شيئا لم يتغير.
هي دعوة للسلام بعد انتصار، أدركتها مصر وسعت لتحقيق غاياتها بكل جرأة وشجاعة، رغم ما قابلها من العرب من قطيعة ورفض تام، باستثناء بعض المواقف ومن أهمها موقف سلطنة عمان آنذاك، التي رأت في اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل مفتاحا للوصول إلى تسوية شاملة وعادلة من مركز قوة للعرب في استعادة الأراضي الفلسطينية والسورية التي لا تزال لحد يومنا هذا ترزح تحت وطأة الاحتلال، وما زال بعضهم ممن يتزعمون العالم يلوحون باعترافات خارجة على القانون والعرف الدولي بأنها أراض إسرائيلية، ولم نر على أرض الواقع سوى تنديد ورفض من على منصات السياسة، لكن شيئا لم يتغير أيضا.
مر على تحرير سيناء ما يقارب الأربعة عقود، وفي كل سنة تحل ذكراها، يعيش المصريون فرحة ويستذكرون هذا الإنجاز العظيم التاريخي، في المقابل، ما زال الفلسطينيون يتجرعون المرارة في ظل ظروف متشابكة معقدة، سواء كان مصدرها داخليا فلسطينيا أم خارجيا من أطراف أخرى. والفارق كبير بين تلكما الحالتين. ولست في مقالي أوجه لوما أو اتهاما لأي طرف أو محور في الساحة العربية، ولكنني أتساءل: لماذا لم ننصت لصوت العقل؟ لماذا لم نأخذ موقف سلطنة عمان بالاعتبار فنقرأه جيدا لنرى بعدها ما نحن فاعلون..؟
لقد عبرت السلطنة من خلال قائد مسيرتها جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ عن موقفها تجاه اتفاقية كامب ديفيد، من منطلق حكمة ورؤى بعيدة المدى، وكررها جلالته مرارا بأننا لسنا بالضعفاء إن تفاوضنا ولسنا بمتنازلين عن حقنا في فلسطين والجولان، وإنما نتطلع للاستقرار والأمن والسلام لهذه المنطقة العظيمة في تاريخها ومركزها وحضارتها، فالشعوب لها الحق في العيش دون ترقب أو خوف.
لم يكن تحرير سيناء بالأمر اليسير، فقد تدرجت المفاوضات منذ عام 1979 وصولا إلى عام 1982 الذي فيه تحررت أراضي سيناء بالكامل واستعادت مصر سيادتها عليها، ولا تعتقد أيها القارئ بأني هنا لأرسم صورة نبيلة للاحتلال الإسرائيلي فأنا عربي أنتمي لفلسطين كما أنتمي لعمان، لكن الجميع يعلم ويرى ما يجري في الوقت الحاضر من أحداث هي أكبر بكثير من اتفاقية كامب ديفيد، لكنها محاطة بتنازلات وضعف، بعضها يستتر خفية وبعضها معلن ولكنه لا يخدم المصلحة القومية لا من قريب ولا من بعيد…والأيام كلها حاضرها وما سيأتي منها تتكشف عن هذه الحقائق، وفي هذا فليعتبر أولو الألباب.
إننا إذ نهنئ مصر بهذه الذكرى العظيمة، نمني النفس بالأمل في أن تتخذ خطوات أكثر واقعية في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وأن يأتي يوم علينا ونحن نحتفل بتحرير أراضينا العربية من الاحتلال، ونحن في قوتنا واتحادنا ووضوح مواقفنا تاما كما كانت سلطنة عمان واضحة وواقعية. لننصت لصوت العقل… فأمتنا تستحق السلام.

إلى الأعلى