الإثنين 20 مايو 2019 م - ١٤ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : موارد أخلاقية مهدرة

في العمق : موارد أخلاقية مهدرة

د. رجب بن علي العويسي

في عالم العمل والتشغيل لم تعد المكونات والموارد العينية المحسوسة المالية والمادية والتقنية وحدها كافية لصناعة المنافسة ورفع سقف الإنتاجية، ففي نظريات اقتصاد المعرفة هناك أصول غير مادية تسهم اليوم بدور أكبر في تحقيق عوائد اقتصادية للشركات والمؤسسات، وهي تلك المتمثلة في الأصول الفكرية والثقافية والفنية غير المادية، وأشكال التعبير الثقافية والتشريعية والقيمية المختلفة التي يتميز بها مجتمع المؤسسات وما يصحبها من تنوع في برامج التعليم والتثقيف والإعلام والترويج والتسويق وتوظيف منصات التواصل الاجتماعي والبحث العلمي والابتكار والملكية الفكرية وبراءات الاختراع.
ويُعد المورد الأخلاقي المتمثل في جملة الأخلاقيات والمبادئ والقيم والمعتقدات والقناعات والثقافات وشبكة العلاقات وأساليب العمل وموجهات الأداء والتي بدورها تدير حركة المؤسسات في ظل ما تتميز به من عمق واتساع وتنوع وحيوية واتزان، القوة الحقيقية الخفية النافذة التي تصنع لهذه الموارد حضورا في المنافسة ونقطة تحول غير مسبوقة في جودة الأداء، بحيث تكتسب خلاله المؤسسات استحقاقات كفاءة، وأرصدة نجاح في إنتاجيتها تفوق التوقعات، لذلك شكلت الموارد الأخلاقية للمؤسسات رصيدا وطنيا فائق التأثير في عملية توظيف الموارد المؤسسية والاستثمار فيها وإعادة توجيهها لصالح الإنسان وتقوية محطات التميز فيه وترقية ممارساته وتعزيز دعائم النضج الفكري والمعرفي لديه، وزيادة دوافعه الإيمانية الإيجابية نحو العمل والعطاء والإنتاج وتهذيب السلوك الناتج عنه أثناء عملية الاستكشاف والتشخيص والنقل لهذه الموارد، بما تتيحه من تنوع في البدائل وخلق سيناريوهات عمل متجددة توظف بالشكل الصحيح في خدمة عملية الإنتاج ذاتها.
على أن عمليات الهدر والاستنزاف السلبي للموارد الأخلاقية والاستخدام السلبي وغير المنظم لها أو سياسة الخجل والاستحياء التي تتم عندما تتعلق المسألة بالأخلاق، في ظل ممارسات تفتقر لكل المبادئ والأعراف، والأخلاقيات التي تؤسس لمسار واضح في عمل هذه المؤسسات، لذلك تصبح الممارسة في كثير من الأحيان غير مؤطرة تزيد فيها نسبة الخطأ والاجتهاد والمخاطرة، وما يصحبها من ردات فعل للشركاء الداخلين بالمؤسسات أو الخارجيين بشكل منهج، أو أن يغلب على السلوك الممارس حالة العرضية وعدم الاستدامة والمزاجية وكثرة التغيير، وهو ما أدى إلى تعميق النظرة السطحية للأخلاق وتصبح المفاهيم والمبادئ التي باتت تتداول في أروقة المؤسسات وخارجها مجرد سحابة صيف أو ظاهرة صوتية، في ظل تحجيم قدرة الأخلاق على صناعة التحول وبناء فرص التجديد، وبالتالي أدى هذا الهدر الحاصل في فهم السلوك الأخلاقي ومتطلبات نجاحه ومحددات عمله وطرائق تكونه في كثير من الأحيان وللأسف الشديد إلى عملية اختزال الأخلاق وما يرتبط بها من مبادئ وقيم وقواعد للسلوك وفصلها عن أبجديات العمل ذاته وتفاصيله الداخلية وأساليب الأداء والعمليات الإدارية والتنظيمية والتشغيلية والرقابية والإشرافية والقرارات وغيرها، لذلك كانت النتيجة المؤسفة أنه على الرغم من وضوح التشريعات وتنوع الإجراءات الضبطية والتوعوية والتثقيفية وغيرها، أفصح الواقع عن ممارسات غير مقبولة في العمل المؤسسي تمثلت في وجود ضعف في الإنتاجية أو زيادة حالة الترهل في الأداء المؤسسي العام، وضعف إنتاجية الفرد ودوره وثقافته حول مفهوم الانضباط والالتزام بالتشريعات وقدرتها على حفظ المال العام والمسؤوليات الوظيفية، وسوء استغلاله للوظيفة وسوء إدارة الوقت وانتهاك حرمات المال العام، كما أدى ذلك إلى إغفال البعد الأخلاقي في إدارة الموارد المادية والبشرية والفجوة في صناعة الممكنات النفسية والفكرية والمهارية على مستوى الفرد نفسه وما ارتبط به من ممارسات سلبية كالمحسوبيات وشخصنة المهام والتسيب والإهمال الوظيفي وضعف الإخلاص وقلة الدافعية في العمل وحالة السلبية والقلق التي يعيشها الموظف العام لكونه يقرأ الوظيفة فقط في حجم الامتيازات التي تحدد له موقعه في المجتمع.
ويصبح التأسيس الأخلاقي في الإسلام قواعد للسلوك الأصيل ومبادئ إيمانية قائمة على تحقيق التكاملية والشمولية والتوازنية في الحياة والكون والإنسان، فالأخلاق من أعظم ما وصف الله به عبده ورسوله محمد عليه الصلاة والسلام بقوله “وإنك لعلى خلق عظيم”، فإن هذا الثراء الأخلاقي والقيمي الذي تتميز به الشخصية الإسلامية والذي تتشكل منه هوية مجتمعنا العماني في ثقافته وأخلاقه ومبادئه وقيمه ومنظوراته وسياساته، إنما يعكس مرحلة حضارية متقدمة على صعيد البناء الأخلاقي والثورة الأخلاقية للمؤسسات والأفراد، وهو رصيد لترسيخ مسارات التفوق والإنجاز في حياة الأفراد والمؤسسات، وكلما حظي هذا الرصيد بالاهتمام والمتابعة والتأصيل الفكري والنفسي في كل المخاطبين به وإدخاله في كل مقتضيات الحياة المؤسسية وقواعد العمل والتشريعات والأنظمة وأساليب الحياة المؤسسية وقياس جودة بيئة العمل، استطاع أن يقدم نموذجا استثنائيا في ثقافة العمل المؤسسي، وعندما التزمت الإدارة والقيادة والتنظيم المؤسسي بالأخلاق انعكس ذلك على مسار الإنتاجية الفردية والمؤسسية على حد سواء، فإن الصدق والأمانة والإخلاص وتحمل المسؤولية والالتزام الضبطي والقوة الفكرية والنضح المعرفي والثقة والمشاركة والتعايش المؤسسي والاحترام وتقدير الرأي والرأي الآخر والوقوف عند الحقوق والواجبات والتمكين والنزاهة والمسؤولية والمحافظة على الوقت واستغلال القدرات وغيرها، معايير أخلاقية لا غنى عنها في أي مؤسسة تنشد المنافسة والوصول إلى معايير النجاح والتميز، خصوصا في ظل ما تحمله هذه الموارد الأخلاقية من نماذج إيجابية واستراتيجيات عملية وموجهات وقائية وضبطية تنعكس بالإيجاب على مسارات الإنتاجية.
إن الأخلاق بذلك ثروة مستدامة في رصيد التنويع ونهضة سامقة في بناء الإنسان والاستثمار في رأس المال الاجتماعي البشري، كونها تحمل في ذاتها معايير الجودة والمنافسة والحوكمة والشفافية، وتصنع بدورها موردا مؤسسيا بشريا يمتلك الأخلاق كقيمة وسلوك وفكر وثقافة ومنتج ومنهج حياة، وموردا ماديا تتشكل هويته الأخلاقية من رحم بيئة العمل ومفردات الثقافة المهنية الرصينة وما تؤمن به من قيم العمل وقواعد الإنتاج ومعايير جودة المنتج، وبالتالي فإن تعزيز القيمة المضافة من هذه الموارد في حياة الموظف والمسؤول والسياسات والتشريعات والهياكل التنظيمية بالمؤسسات، يستدعي اليوم قراءة جذرية لموقع الأخلاق في منظومة الأداء والقرار المؤسسي وثقافة العمل وبناء الموارد البشرية ورؤية المؤسسات ورسالتها وإعادة إنتاجها في منظومة القوانين والتشريعات واللوائح والأنظمة، وتوظيف أساليبها في الخطاب الإعلامي العام والخطاب المؤسسي والتوجيهات الرسمية وعمليات التثقيف والتوعية والصلاحيات والحوافز ومعايير اختيار الكفاءات وانتقاء الإجادات وبناء الوصف الوظيفي للوظائف وفي عمليات التصنيف بما يحفظ سلم التكامل في الوظائف والاختصاصات ويمنع حالة الازدواجية والترهل الوظيفي والتهميش والإقصاء وغيرها من الممارسات التي باتت تعكس حالة الهدر الأخلاقي في المؤسسات ولعل ما تضج به محاكم القضاء الإداري والتظلمات الحاصلة من الازدواجية في القرارات ما هو سوى أحد إرهاصات الهدر الأخلاقي وإقصاء الأخلاق من الممارسة التنظيمية والإدارية، بما يؤكد في الوقت نفسه على أهمية التعاطي مع البنية الأخلاقية في المؤسسات كإطار عمل مضبوط باستراتيجيات أداء واضحة وخطط تشغيلية وتنفيذية مقننة ومعلومة، تستهدف الإعلاء من القيم والأخلاقيات والمبادئ الحضارية العليا المرتبطة بالمهام والاختصاصات والوصف الوظيفي، وتوفير أدوات المتابعة والتشخيص والتقنين والرقابة بالشكل الذي يضمن عدم انحرافها عن المسار أو وجود ازدواجية في العمل أو سوء استغلال للموارد والإمكانيات، وبالتالي تحويل الموارد الأخلاقية من كونها موارد مجردة غير متجددة معتمدة فقط على نمطية النصوص الشكلية واجترار أو ترديد هذه القيم والمبادئ الأخلاقية كعلميات اعتيادية يومية؛ إلى كونها قواعد أصيلة لبعث الحياة في المؤسسات، وتجديد عقود العمل باعتبارها التزامات تتطلب المزيد من التصحيح لها وخلق الأطر الداعمة لنقلها إلى حيز الممارسة الفعلية، وعندما تقرأ المجتمعات في الأخلاق مرحلة تحول لها، فتتعاطى منها بدافع الشعور بقيمتها في الحياة، فإن النتائج ستكون معبرة عن طبيعة الهدف، محققة لفلسفة الأداء، فتعمل في كونها سياجا وقائيا وحماية استباقية لسلوك الموظف والمواطن من الانحراف أو غلبة الدوافع الشخصية لديه الناتجة من سوء التصرف في الصلاحيات الممنوحة له واستغلال منصبة ووظيفته التي يعمل بها في تحقيق أغراض شخصية، أو استغلال الثقة التي منحتها له سلطة القانون أو الدولة في اختلاس المال العام.
من هنا تأتي قيمة التثمير في المورد الأخلاقي، وفتح المجال بشكل أوسع في حضوره في المؤسسات وتبنيه من القائمين عليها، وتقوية حضور مفاهيم الإدارة الأخلاقية وأخلاقيات العمل والتأطير الفكري والتشريعي لها في واقع المؤسسات بالشكل الذي يضمن نموها وتطورها واستيعابها للكثير من المتغيرات التي باتت تعصف بمتطلبات هذا الدور الذي تؤديه الأخلاق في حياة المجتمعات وبناء المؤسسات، ويبقى ما نؤصله اليوم من أجل بناء الأخلاق في سلوكيات الموظف وبيئة العمل وأخلاقيات الوظيفية وثقافة وسلوك المسؤول، وآليات تنشيط القرار المؤسسي الداعم لها ووضع الضمانات التشريعية التي تحفظ للأخلاق موقعها في القوانين النافذة وتؤسس لها حضورها في حياة المؤسسة وبيئة العمل وسلوك العاملين والتفاعلات الحاصلة داخل المؤسسات وخارجها، وإيجاد بيئة عمل منتجة تحمل في ذاتها عوامل النجاح والتميز وتبرز جوانب القوة في إنتاج المواطن القدوة الواعي النزيه المثقف القادر على خلق التجديد والأخذ بأسباب التطور بالمؤسسة في مواجهة حالة الهدر في الموارد الأخلاقية والقيمية والتشوهات التي باتت تواجهها الأخلاق كأداة للتغيير؛ الرهان لتحقيق عوائد استثمارية عالية على مسار الأداء والمنافسة والكفاءة والإنتاجية.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى