الإثنين 19 أغسطس 2019 م - ١٧ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الأندلس.. صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (1ـ12)

الأندلس.. صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (1ـ12)

سعود بن علي الحارثي

لم يدر بخلد طارق بن زياد الذي يتلألأ وجهه روحانية وإيمانا برسالة الإسلام التي أخذت مثلها وقيمها السامية بشغاف قلبه، وترفرف روحه الطاهرة في ملكوت الله شوقا وتلهفا للجهاد والشهادة ولقاء الأحباب في جنة الله ما أن تهفو متعطشة لترتوي بآيات القرآن الكريم التي لا تبارح لسانه في وحدته وفي لحظات ما قبل وبعد إصدار التعليمات والتوجيهات العسكرية، وتقديم الدروس الإيمانية لكي تعمق الإيمان إيمانا والثقة ثقة والطمأنينة أضعافا (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) النساء ٦٩. ولا يعنينا الخلاف على نسب ابن زياد وما إذا كان عربيا أم إفريقيا من البربر أم فارسيا، المهم أنه تشبع بروح وتعاليم الإسلام فأصبح واحدا من أعظم رجالاته وقرأ وتخرج من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم فخلد التاريخ ذكره ورفع مجده، فقلبه في الزمان والمكان، في ساحة المعركة أو في المسجد على صهوة جواده أو مرتجلا ممتلئ دائما وأبدا حماسة وعزيمة وشجاعة وطمأنينة وثقة ونشاطا يفوق ما لدى جيش بأكمله، يواجه بها المحن والأعداء والعقبات فلا يتجاوزها إلا إلى نصر ومكسب وإنجاز تضاف إلى سابقاتها من الغايات السامية، رفعة دين الله وعقيدته السمحة وإصلاح وهداية البشرية إلى الطريق القويم ـ لم يدر بخلد هذا القائد الإسلامي الكبير ساعتها ـ وهو يحرق سفنه ويطلق مقولته الخالدة (البحر من ورائكم والعدو أمامكم فليس لكم والله إلا الصدق والصبر…) ـ وليس مهما كذلك ما إذا كانت الرواية صحيحة أم مختلقة، الأكيد والثابت أن طارقا تمكن من إنهاء حكم القوط الغربيين في إسبانيا والاندفاع بكامل جيشه نحو شبه الجزيرة الايبيرية ورفع راية لا إله الله محمد رسول الله في القارة الأوروبية لأول مرة ـ لم يدر بخلده ساعتها بأن القدر يخبئ في جعبته أسرارا مخفية كشفتها الأيام للأجيال المتعاقبة تباعا، فلم يكن هذا القائد العسكري الفذ المنطلق نحو عوالم مجهولة وبعيدة ليخضع ـ فقط ـ أراضي جديدة يضمها للحضارة الإسلامية الشاسعة، ولا ليدعو أقواما من أمم وشعوب أعجمية للدخول إلى دين الإسلام وهدايتهم إلى طريق الحق والعدل والتسامح والرقي، ولا ليحقق انتصارات وأمجادا تضاف لسيرته العطرة، بل كان إلى جانب تلك الغايات العظيمة يمهد السبيل ويهيئ الأرضية ويسهل الوعر أمام آخر السلالة الأموية الحاكمة في دمشق لتصبح هذه الجنة ملاذه وحضنه، ولتكون امتدادا ومركزا لخلافة الأمويين في عهدها الثاني الذي ما كان ليستمر ويبقى وما كانت للحضارة الإنسانية أن تتواصل، فتصبح الأندلس جسر عبور صلب القواعد قوي البنيان بين حضارة غربت شمسها وأخرى بنت عليها فأشرقت ونمت ولا تزال حتى اليوم تزدهر وتقدم للبشرية ينابيع المعرفة والعلوم والاختراعات والأبحاث والدراسات والثورات التقنية والمعلوماتية الهائلة … لولا ذلك القرار التاريخي والفتح العظيم، ففي عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك تمكن طارق بن زياد من فتح إسبانيا وإخضاعها للدولة الأموية، لتستقبل وتحتضن بعدها بثلاثة عقود حفيده (صقر قريش)، عبد الرحمن بن معاوية بن عبد الملك الذي أسس الدولة الأموية في الأندلس وحكمها هو وخلفاؤه لثلاثة قرون. فإلى هذا المكان ساقته مهره وهنا ألقى به القدر ليقيم حضارة ما عرفت الإنسانية مثيلا لها في زمنها، رحلة طويلة وعوالم مجهولة وبعد فترة تيه استمرت ست سنوات بلغ هذه البلاد الغريبة عن وطنه المختلفة في كل شيء عن مغاني الصبا ومحطات الطفولة التي عاشها وقد تراكمت على قلبه الأحزان والأوجاع، ولم يجد ما يسري عنه ويذكره بوطنه ويخفف عنه همه بفقد الأحباب إلا نخلة صادفها في طريقه وهو يقترب شيئا فشيئا من بلوغ محطته الأخيرة مستجيبا للمشيئة الإلهية، فأنشد أبياته المشهورة المعبرة عن قلب مفجوع وعن ألم الفقد والحزن على ملك ضاع وعشيرة أبيدت ومجد رحل وطموح حمله فكره وأرهق به قلبه: (تبدت لنا وسط الرصافة نخلة * تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل * فقلت شبيهي في التغرب والنوى * وطول الثنائي عن بني وعن أهلي). يا الله ما أعظم ما تحتضنه هذه البلاد من ذكريات ومواقف وصور ومآثر وصروح وتاريخ ذهبي لعصر إسلامي مجيد مشرف يبهج القلب ويفخر به العربي والمسلم على السواء، وإخفاقات وخيانات ومخازٍ ومآسٍ مؤلمة ومؤسفة تحزن وتؤلم وتوجع في آن، دروس عميقة لم نستفد للأسف منها عبر تاريخنا الطويل منذ أن تحولت ممالك الأندلس الإسلامية إلى العوبة بيد ملوك الطوائف وإلى يومنا الحاضر الذي أصدر فيه ترامب قراره البغيض في ٢٠١٧ بتحويل القدس عاصمة لدولة من لا دولة لهم، سقوط إثر سقوط، انشطارات وتمزقات، فتن وتعصبات مقيتة تهدم وتدمر البشر والأرض والقيم والحضارة والإرث العلمي والعمراني المنجز، صراعات وحروب أهلية، وملوك طوائف يتناسلون ويتوارثون الممالك العربية والإسلامية، ضعف يؤدي إلى ضعف وانحطاط أسوأ وأشد وأعمق، عبر طارق بن زياد مضيق جبل طارق وسلم بذلك الفتح الكبير مفاتيح أوروبا للعرب والمسلمين وليس إسبانيا وحدها لكي يواصلوا المسيرة، وأقام صقر قريش بعده بعدة عقود مملكة إسلامية في الأندلس مركزها قرطبة أنارت سماء أوروبا المتوشحة سواد الجهل والتخلف والاستبداد وإنكار قيمة الإنسان وتغييب العقل، بسراج العلم والمعرفة والحريات فازدهرت الآداب والمدارس والجامعات وأصبحت غرناطة وإشبيلية وقرطبة وبلنسية وطليطلة… قبلة الرواد وطلبة العلم والمفكرين والاساتذة من كل أنحاء العالم، وبلغت الأندلس في العصر الأموي أوج ازدهارها ورخائها ورفاهها في مختلف المجالات، وفي الثالث من يناير ١٤٩٢م، أمتطى أبو عبدالله الصغير آخر ملوك الطوائف صهوة جواده موليا ظهره (شطر قصر الحمراء الشهير) الذي شيده الملك المسلم محمد بن يوسف بن محمد بن الأحمر، متجها إلى منفاه، بعد أن سلم مفاتيح غرناطة لقائد الفرنجة (فرديناند)، منهيا بذلك حكم المسلمين لإسبانيا وإعادة القوط حكاما عليها. أحداث ثلاثة تخللتها محطات باهتة حكم إمارات الأندلس فيها ملوك الطوائف، وعمليات إنقاذ قام بها المرابطون والموحدون أخرت سقوط الممالك الإسلامية في إسبانيا وكانت معركة الزلاقة الكبيرة في ٢٣ أكتوبر ١٠٨٦م بقيادة يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد آخر إنجازات المسلمين في هذه البقاع، (نجح المرابطون كذلك في دفع المسيحيين في إسبانيا إلى التقهقر إلى الوراء. وعندما استؤنفت الانتصارات المسيحية في إسبانيا، حل محل المرابطين اتحاد بربري آخر من الإصلاحيين الدينيين الأكثر باطنية، عرفوا باسم الموحدين (حكموا من 1130 إلى 1269). وكما فعل أسلافهم، نجح الموحدون بعض الوقت في صد المسيحيين الإسبان، لكنهم سرعان ما تكبدوا هزيمة ثقيلة في العام 1212 حصرت الحكم الإسلامي في إسبانيا ضمن مملكة غرناطة الصغيرة، إلى أن سقطت غرناطة نفسها في العام 1492). هذه الأحداث المتشابكة والمتباينة رسمت تاريخ إسبانيا في عهدها الإسلامي وأبانت عن الكثير من الحقائق والدروس، وأكدت على أن القيادات عندما تتحصن بالإيمان وتضع ثقتها في الله وتتجسد الطمأنينة واقعا ببلوغ النصرـ وتكون الغايات سامية ونبيلة، فتتسامى فوق المنافع الشخصية والمصالح الضيقة، وتتمسك هذه القيادات بمبادئ العدل والشجاعة والإرادة وتحفظ لمجتمعها حقوقه وحرياته تتحقق المعجزات وتتوالى الانتصارات وتزدهر الحضارات وتصلح أحوال المجتمعات ويتحول المتخيل والمستحيل إلى ممكن، وعندما يضعف الإيمان وتهتز الثقة وتتعرض المبادئ والمثل إلى الانحرافات والفساد وتميل الأنفس وتنصرف كليا إلى المظاهر والشكليات وإلى جمع الأموال وتقلد المناصب تفقد القيادات البوصلة وتنخر في ممالكها مسببات الانحلال والاستبداد والفقر والمرض وإنكار حقوق الإنسان، فتتصارع وتتنافس فيما بينها على المنافع الشخصية وعلى الحكم والتباهي فتتفتت الدول وتتمزق ويطمع فيها الأعداء وسرعان ما تسقط وتنتهي، وللتاريخ قوانينه ونظرياته التي لا تتغير في تبدل الأحوال وانتقال المركز والحضارة من قوة إلى ضعف ومن صعود إلى سقوط ومن تقدم ونمو إلى تراجع وتقهقر، إذ (يؤكد مبحث التاريخ العالمي أن الحضارة الإنسانية واحدة، وأنها انتقلت من هذا المركز إلى ذاك، مع حدوث إضافات وتحولات مع كل عملية انتقال) . إلى إسبانيا إذن الوجهة هذا العام، فليس من سمع كمن رأى ولا من قرأ في صفحات التاريخ كمن شاهد واطلع بأم عينه، وللأندلس التي رثاها الشعراء والأدباء بدمع مدرار من الأحبار والصفحات وعيون وملاحم من الشعر والنصوص الأدبية الأولوية في برنامج التطواف وقد تأخرت دون شك. بادر الصديق العزيز تركي البوسعيدي ـ كما هي عادته في جميع وجهاتنا المختارة ـ إلى إعداد برنامج الزيارة وحجز تذاكر الطيران والفنادق وغيرها من الإجراءات التي تتطلب مثابرة وبحثا وتقييما، تقود دائما إلى نجاح الغايات الأساسية من التطواف في بلاد الله الواسعة، فله منا جميعا الشكر والود والتقدير.

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى