الثلاثاء 21 مايو 2019 م - ١٥ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : من بطرس الأكبر إلى بوتين

باختصار : من بطرس الأكبر إلى بوتين

زهير ماجد

منذ سنوات قليلة، زرت روسيا وكان في الاستقبال الدائم لنا رئيس الجاليات العربية وهو لبناني يدعى حسان نصرالله .. ولأسباب تلفزيونية شاء هذا الأخير أن نلتقي مع جنرال روسي متقاعد أمضى عمره في البحرية الروسية.
في ذلك المقهى الموسكوبي جلسنا نستمع عبر ترجمة حسان لما يقوله الجنرال الذي رغم بلوغه ما فوق الثمانين عاما يتحلى بصفات شبابية .. قال الكثير، لكني ما زلت أحفظ إلى اليوم الأهم، وهو ما قاله للرئيس بوتين حين اجتمع بالمتقاعدين من رجال البحر، فطالبه بعودة روسيا إلى ما كانته إبان الاتحاد السوفياتي .. بعدما حققت حلم القيصر بطرس الأكبر منذ ثلاثمئة عام في وصول روسيا إلى المياه الدافئة.
كانت المؤامرة على سوريا قائمة وأنا في زيارتي لموسكو، كتبت يومها عدة مقالات عن روسيا، وأبرز ما قلته إن الرئيس بوتين يتمتع بعقل قيصري وقلب شيوعي .. جملة أعجبت الجنرال الذي صافحني بقوة إلى الحد الذي كاد فيه أن يكسر عظام كفي. والحقيقة أن هذا التشبيه ما زلت أصر عليه، إذ لا بد أن بطرس الأكبر قد تلبس عقل الرئيس بوتين، فالأول كان حلمه المياه الدافئة، أن يصل شواطئ المتوسط، بل هو أول من بنى أكبر أسطول روسي وبنى جيشا قويا، لكن بوتين حقق له حلميه، وصل تلك المياه وصار من أسسها، وأعاد إلى روسيا جيشا قويا مقداما بين يديه أعظم إنجازات السلاح.
وأمام الحقيقة الساطعة، فلولا سوريا لما حقق الرئيس الروسي حلما روسيا دفينا، ولما كان بالإمكان نيل قاعدة بحرية كبرى على الشطوط السورية .. صحيح أن روسيا قدمت كفاءاتها السلاحية وحضورها الدولي لدعم سوريا في مواجهتها للمؤامرة الكبرى .. بل صحيح أن الرئيس بوتين لم يبخل من دعمه الكامل في معارك الجيش السوري أينما كان على الأرض السورية .. إلا أن كل ذلك كان له ثمنه في تحويل روسيا إلى لاعب كبير وحاضر كبير، إضافة إلى مرجعية أساسية ورئيسية في مستقبل المنطقة.
هنالك إذن تبادل في المنافع بين روسيا وسوريا حتى في تركيبة حروف البلدين.. وهذا لم يكن جديدا على العلاقة بينهما وقد تأسسا على ثوابت مر عليها عشرات السنين وهي ثابتة وراسخة ومشار إليها دائما بأنها من التاريخ الجميل للبلدين .. فليس جديدا بالتالي أن يكون في الشط السوري هذه القاعدة البحرية المهمة التي تليق بروسيا العملاقة، في الوقت الذي كانت سوريا بحاجة ماسة إليها وفي أوقاتها الصعبة التي مرت عليها .. بل في جعبة العلاقة بين البلدين ما هو مليء بالأسرار الخطيرة التي يمكن متابعة ترجمتها من خلال النتائج التي آلت إليها والذي وصل إلى حدود إعادة السيطرة السورية تقريبا على الجزء الأكبر من مساحتها الجغرافية.
لا شك أن لروسيا حسابات ما مختلفة في بعضها عن الحسابات السورية، وكلما مر وقت في تلك العلاقات سيكون هناك الجديد الدائم فيها، لكن الذي لا يجب نسيانه، أن الروسي هو على أرض لصاحبها علاقاته المميزة أيضا والتي تتداخل فيها الانصهار المشترك والحرص على سوريا وفيها دماء مشتركة وعرق مشترك وتعب الليالي وحكاية المعارك المشتركة وصد الإرهاب في عشرات الأماكن بشكل مشترك أيضا.
بل هنالك كثير من التاريخ المشترك بين الروسي ومن كانوا إلى جانب الجيش العربي السوري في رحلته الكفاحية ضد أعتى مؤامرة عليها.

إلى الأعلى