الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى الاحتفاء بالدماغ لمواجهة الشعوذة

رؤى الاحتفاء بالدماغ لمواجهة الشعوذة

دجال يغتصب 25 زوجة تحت تأثير المخدر، دجالة حبست زبونتها بعد أن رفضت ممارسة الجنس مع أحد الأشخاص، امرأة تستعين بدجال ليخلصها من الجن فعاشرها فى وجود زوجها، دجال يستولي على أموال ثري بعد اقناعه أنها ستتكاثر بواسطة الجن!
هذه عينة من الأخبار التي نشرت في إحدى الصحف المصرية خلال الأسابيع الماضية، وكلنا نقرأ ونسخر من سذاجة الضحايا، ومع ذلك، بعضنا، كثير منا لا يكفون عن طرق أبواب الدجالين !
الدراسات تؤكد أن العرب ينفقون سنويا حوالي 7 مليارات دولار على الدجل.
وإنني من خلال مناقشاتي المستمرة مع شرائح مختلفة من الناس، ومن أقطار عربية عديدة أظن أن نسبة من يعتقدون في هذه الأشياء ربما تتجاوز في عالمنا العربي الـ80% ، ففي أي جلسة نقاش إن كان المشاركون فيها مثلا 10 أشخاص أفاجأ بنفسي متخندقا وحدي ضد “يقين” الآخرين بهذا الدجل الذي يدعمونه بقصص عن قدرات خارقة لأشخاص في السيطرة على الجن وتسخيره و”فك الأعمال” وقد يتعاطف معي بـ”الصمت” شخص أو شخصان، وقد لا يكون تعاطفا بل شفقة، حين يرونني وحدي في مواجهة هجمة شرسة من قبل 7 أو 8 أشخاص، وقد يصل بي النقاش إلى درجة التحدي فأصيح: إن كان هناك في أي بقعة من هذا العالم من لديه القدرة على إلحاق الأذى بالآخرين بالسحر والأعمال والجن والعفاريت فإنني على استعداد لخوض التجربة، ليأت ويظهر قدراته معي، وأتحدى إن تمكن من أن يهز شعرة في رأسي! في إحدى رحلاتي الخارجية قلت هذا في جلسة جمعتني ببعض الأصدقاء، فأتوا بالفعل بشخص يشاع عنه مثل هذه الأمور: وتوسلوا إليه ألا يلحق بي أي ضرر، فأنا ضيفهم، ولا يجوز إيذاء الضيف، بل يكتفي بإظهار بينة، طلب الرجل أن آتي ببعض معارفي، فأتيت له بأخي وزوجته وصديق، وبدأ بزوجة أخي، طلب منها أن تشهر إصبعها عاليا، وقال إنه سيردد بعض العبارات تنتهي بانحناء إصبعها رغم إرادتها، أشهرت زوجة أخي اصبعها، ثبت عينيه في عينيها وشرع يتمتم ببعض العبارات التي لم نفهم منها شيئا، واستغرق الأمر دقيقة لنفاجأ بإصبعها ينحني، فعل الأمر ذاته مع أخي والصديق، وكانت النتيجة ذاتها، وجاء دوري، أشهرت إصبعي ومضى في ترتيله مثبتا عينيه في عيني، وحين طال الأمر بدأ يزعق بأسماء وكلمات لا وجود لها في قواميس العربية، تخفت نبراته قليلا قليلا، ليعاود الزعيق فجأة، ولم أكن معه، بل غلبتني رغبتي في الضحك على ما يفعله، تلك إذن لعبته، المقاومة تنبع من العقل، وهو يسلب عقل ضحيته، فلا عقل محركا سوى عقله، يعينه في هذا أنهم يدخلون حلبته وهم مؤمنون بما يفعل، أما أنا ومنذ طفولتي كنت أستهزئ بما يرددونه في قريتي عن الرضيع الذي يبكي في بئر الساقية، والنداهة التي تأتي ليلا لإغواء النساء ليسرن خلفها مغيبات إلى البحر لتغرقهن!، وعفاريت المقابر، في بيئة تتنفس هذه الخرافات أعلنت مبكرا رفضي لما يقولون، فيمارسون ضدي ـ ومازالوا ـ نوعا من الإرهاب الديني: هل كفرت، لا تؤمن بالسحر ولا الجن رغم أنهما ذكرا في القرآن! وهذا أحد أسباب انتشار الدجل والشعوذة في مصر وعالمنا العربي، ربط الدجل والشعوذة بالدين. وهل أهل القاع من أميين بسطاء فقط هم الذين يطرقون أبواب الدجالين؟ بل غالبية المتعلمين للأسف يعتقدون في مثل هذه الأمور، وأظن أن مدير أحد البنوك الذي أقنعه الدجالون بإمكانية مضاعفة أموال البنك بالتكاثر متعلما، إن كان لديه شهادة جامعية فهذا يعني أنه أمضى في صفوف الدراسة 16 عاما أو أكثر، وأتذكر منذ ما يزيد على عشر سنوات أن صبية من قريتنا أخبرتني أن خالها المحامي انهال وشقيقه الفلاح على والدتهما المريضة ضربا، لتخليصها من الجن الذي يسكنها! وبعد عدة أيام لفظت الأم أنفاسها، وهي حكاية تتكرر بشكل شبه يومي في بعض القرى والمدن.
و تؤكد إحدى الدراسات، أن 11% من المترددين على الدجالين مثقفون وسياسيون وفنانون ورياضيون والسياسيون والفنانون ! وأظن أيضا أن النسبة أعلى من هذا، ثمة مثقفون رغم أطنان الكتب التي قرأوها وتنظيراتهم عن عقلانية سقراط وديكارت وسبينوزا، إلا أنه في كثير من الأحيان يظل كل من هؤلاء “مربوطا” بثقافة الجلد، وثقافة البيئة، فإذا كان قد ولد في بيئة تقتات على قصص الدجل والشعوذة، ومهما قرأ، فهو في النهاية ابن بيئته، وليس مستبعدا أن يطرق باب الدجالين.
إنني أتذكر حوارا أجراه أحد محرري إحدى الصفحات الخاصة بالسحر والشعوذة مع أحد هؤلاء الدجالين” حيث أجزم هذا الدجال من خلال “علمه بالأبراج بأن إسرائيل ستزول عام 2022! ومنذ احتفال الإسرائيليين في 15 مايو عام 1998 بمرور نصف قرن على تأسيس الدولة اليهودية، والعديد من الكتب تصدر داخل إسرائيل وخارجها، ومحورها الرئيسي هذا السؤال: هل إسرائيل معرضة للزوال ؟
لقد قرأت كتابين حول هذا الموضوع: الأول “هل ستبقى إسرائيل حتى عام 2048 ؟” للباحث أوري وزولي، والثاني “الدولة اليهودية قرن لاحق” للباحث ألان دوتي، وكلا المؤلفين اليهوديين يتحدثان عن احتمالية زوال إسرائيل ! ليس لأن الأبراج أخبرتهما بهذا أو أن العرب سيحشدون كل قدراتهم في السحر بهدف إزالة إسرائيل، بل استعرض الباحثان العديد من التحديات التي تواجه إسرائيل، فإن فشلت في مواجهتها فمصيرها سيكون الزوال، من هذه التحديات، الانقسامات الأخدودية التي يعاني منها المجتمع الإسرائيلي بين العلمانيين والتلموديين والأبعاد الديموغرافية، واعتماد الساسة الإسرائيليين على دعم الولايات المتحدة وقوة جيش الدفاع، وكلا العاملين معرضان للتغيير !
إذن ثمة سؤال يشغلنا مثلما يشغلهم: هل إسرائيل معرضة للزوال؟ لكن الفارق هائل بين طريقتنا في التعامل مع السؤال وطريقتهم، هم يخضعون الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والديموغرافية للبحث، ونحن نسأل النجوم والعفاريت !
وأظنها مأساة، تورط بعض وسائل الإعلام في كارثة الشعوذة، وكما نرى، قنوات فضائية تبث هذا الدجل على مدار الساعة ! وغالبية المشاركين في الكارثة متعلمون، من منح تصريحا للقناة بالبث وصاحب القناة، والمعد والمخرج، وضيوف البرنامج، والمتصلين المستغيثين بهذا الورع ليخلصهم من الجن! ، كل من هؤلاء أمضى 16 سنة أو أكثر على مقاعد الدراسة، ومع ذلك يلوذون بهم ليحلوا مشاكلهم الصحية والنفسية والاجتماعية، وسامح الله بعض سياسيينا، لماذا لم يلجأوا لهم لتسخير الجان لنسحق إسرائيل والإرهاب “مرة سألت محاسبا يعتقد في إحدى الدجالات أكثر من اعتقاده في أحد كبار العلماء، فقدم لي تفسيرا عبقريا، قال المحاسب: وهل تظن أن اليهود لا يفعلون هذا ؟ هم متفوقون علينا في أعمال السحر ولهذا ينتصرون علينا !وقتها ألجمت إجابته لساني فتوقفت عن مجادلته !
هذا المحاسب أمضى في التعليم الابتدائي ست سنوات، والإعدادي ثلاثا والثانوي ثلاثا، والجامعة أربعا، فماذا كان يتعلم ؟
لم يكن يتعلم، بل يلقن، 16سنة تلقينا ، لهذا تضمحل قدراته على التفكير، ويصبح صيدا سهلا للدجالين والإرهابيين، فلا يكون لديه ما يقوله لهم سوى سمع وطاعة، وحين تواجهه مشكلة حياتية، نفسية مثلا يطرق باب دجال وليس طبيبا نفسانيا، وتلك أم المصائب في العالم العربي!
فلنبدأ بالتعليم، بمشروع قومي لتقويض وزارات التلقين في العالم العربي، والتأسيس لوزارات معارف، مهمتها تحفيز قدرات الطفل منذ صغره على التفكير والتحليل والاستنباط، وليس فقط الحفظ والتلقين، وديننا الحنيف يحثنا على هذا، أن نفكر.
إنني أتذكر، حين وجه بابا الفاتيكان السابق بانديكت انتقادات للدين الإسلامي، فرد عليه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير قائلا : القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي أتى على ذكر العقل أكثر من 40 مرة

محمد القصبي

إلى الأعلى