الثلاثاء 21 مايو 2019 م - ١٥ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الخَل .. دوده منه وفيه

الخَل .. دوده منه وفيه

علي عقلة عرسان

إنهم يعبثون بنا، إنهم يسخرون مِنَّا، إنهم يستهينون بنا وينتهكون كل حق وقيمة ومقدَّسٍ في حياتنا.. يديرون حروبا وأزمات يستثمرون فيها، ويفرضون عقوبات وحصارا ويوظفون كلَّ ذلك لخدمة مصالحهم، وتعزيز نفوذهم واستراتيجياتهم في أرضنا.. وحتى حين تتناقض مصالحهم وتصارع إراداتهم فيما بينهم أحيانا، فإنها أهدافهم تبقى ثابتة، وترمي إلى إنهاكنا نحن المُستَهدَفين، وجعلنا نخوض صراعاتهم بالإنابة عنهم “وكالة؟!”، مع دفع التكاليف والأثمان الفادحة..
في كل الأوقات والبلدان يبيع تجار الحروب الأسلحة وأدوات القتل والتدمير “سِلَعهم الفتاكة”، ويستثمرون في البؤس والدم، ويوسِّعون دوائر نفوذهم، ويقيمون قواعد عسكرية لهم في بلدان يستهدفونها، ويجعلون طغاتِها الفراعين وساستها الفاسدين المفسدين قاتلين ومتقاتلين، يرتمون في أحضانهم، ويحققون مصالحهم، ويقدِّمون لهم الولاء، ويطلبون منهم الدعم والحماية والرِّضا، ويفتحون لهم بلدانهم أسواقا ومناطق هيمنة ونفوذ.
الإسلام القائم على العدل والحرية والأخلاق والقيم، هو أول ما يستهدفه أعداء الإنسانية، وتجار الحروب والسلاح والدم، والطُّغاة الفراعين الذين في أكنافهم، والإرهابيون والفاسدون المفسدون.. والعروبة بتماهيها مع الإسلام هي ثاني أعداء أولئك الذين يستهدفون أمتنا ووطننا وهويتنا.. وقد نجحوا، “أعداء وموالين للأعداء ومحتمين بهم وأدوات لهم”، نجحوا في ربط الإرهاب بالإسلام، لشن حروب متجددة عليه وعلى معتنقيه وفي دياره، وفي توظيف عرب لقتل عرب، ومسلمين لقتل مسلمين، والإساءة للدين وتشويه صورته وصور المتمسكين بقيمه وسماحته، ولشن حرب تدار بحنكة في هذا الاتجاه.. ونجح الأعداء التاريخيون للأمة في جعل سياسات عربية وإسلامية تتبنى نهج القتل والاقتتال في إطار الموالاة والتبعية لهم، وإثبات أهمية الرهان عليهم، وممارسة تشويه الذات والمعتقدات، وتبادل الاتهامات برعاية الإرهاب وممارسته، وتدمير البلدان وإنهاك الشعوب حتى التآكل والإفناء.. وقد أصبح الساسة الفراعين ومن في حكمهم، الخطر الأشد على الإسلام والمسلمين من الأعداء، لأنهم يعملون من الداخل، ويحولون السلطة والقوة والثروة إلى محاربة الذات، وينفذون مخططات الأعداء في استمر الاقتتال والتآكل، ويساهمون في التمزيق والتدمير، ويأتمرون بأوامر الذين يديرون الحرب في دار الإسلام، ويديرونها باسم محاربة التطرف والإرهاب.. وما الأعداء العنصريون وموالوهم إلّا الإرهاب مجسدا بجيوش غازية، وأجهزة استخبارات تنخر جسد الأمة، ومؤامرات ومتآمرين وأدوات يمارسون الإجرام، ويفلتون من العقاب، ويوضعون فوق القانون والعدالة.
إن مَن يخوضون الحروب في بلداننا، يحاربوننا ويحاربون بنا، يفرّقوننا ويقتلوننا ويضعوننا قيد التآكل والفتك الممنهج.. إنهم يضعفون الدول والأمة والدين باسم إنقاذ الدول والأمة والدين، ويزعمون أنهم الصدق والانتماء والوعي.. وفيهم قمم للجهل والنفاق والخداع والارتزاق.. والأدهى الأمر، أنهم يعتقدون أنهم ذروة الوطنية، ويتصدون للمؤامرات والأعداء.. وهم أدوات الأعداء والمتآمرين وخناجرهم التي تطعن قلوب أبناء الأمة، وتضطهد الشعوب، وتحارب القيم والهوية والانتماء الحق والكفاءة والتقدم والدين.. إنهم أدوات المستعمرين الطامعين بثروات الأمة وأرضها، الحاملين حقدا تاريخيا مُعتَّقا ضدها، الساعين إلى تدميرها وتدمير كل ما تمثله من عقيدة وهوية وقيم ومكانة وتاريخ.
ومَن يقيَّضُ له من ساستنا الفراعين أن يصحو ويعي هول الكارثة، يجد نفسه أضعف مِن أن يُنقِذَ، ومن أن ينجو بنفسه.. ذلك لأنه كان قد عزل نفسه ورفعها فوق الوطن والناس، وفرط بالشعوب الذي يحمي ويبني، وجعل أبناء وطنه وأمته يخوضون في مستنقعات دمائهم، ويغرقون في دِمَن الفِتَن والكراهية والبؤس والشقاء والضعف والتآكل.
وبسبب هذا النهج التدميري وتسيُّد وتسييد مَن ينفذه.. أصبح الشخص الكفؤ المنتمي للأرض والأمة، بوعي وخلق وإيمان واقتدار، ليس مهمشا فقط، بل “قيمة مُستَهدَفَة، وحضورا مرفوضا، وعُملة يجب أن تُطْرَد من السوق”.. فإفقار الوطن العربي من الكفاءات والمبدعين والعلماء والعاملين والمخلصين، وممن يكشفون لعب المستعمرين وأهدافهم وعبثهم وأدواتهم، ويحارب الفساد والمفسدين.. تكرَّس هدفا ونهجا لأولئك الذين يستهدفون الأمة، برفع غواتها وبغاتها وسقط متاعها فوق القادرين والشرفاء من أبنائها، وجعل تهميش أولئك ومحاربتهم هو طريقُ الفاشلين والانتهازيين إلى أن يحكموا ويتحكموا ويسودوا ويفسدوا ويصبح الوطن والمواطن بين أيديهم مجرد سلعة.
وهكذا أصبح الانتماء والاقتدار والفعل البَنَّاء مُستهدَفا، والتدمير منهجا، والجاهل والمنافق والفاسد، الفاقد للأهلية والقيمة والقدرة، رفيع المقام، تحفُّ به الحمايات، ومدعَّما بالرجال والمال والسلاح والإعلام و..؟!.. وأصبح كل عربي ينتمي لوطنه وأمَّته بشرف وحس سليم ووعي معرفي عميق، ويعلي شأن القيم والقوانين والمُواطَنة، ويعمل من أجل استقلال الوطن ووحدة موقف الأمة، وكل مسؤول ذي اقتدار ومتانة أخلاقية، يحرص على مصداقية تُتَرجَم قولا وعملا، وسيادة حقيقية تامة محمية بالكفاية والقوة.. مستَبْعَدا ومحاطا بالشبهات ومهملا.. يُحْدِق به خطرٌ يتهدد عَقله وما وعَى، وقلبَه وما انطوى عليه، وذاكرتَه وما اكتنزت، وهويَّتَه وماهيته ووجوده ذاته.. ويلاحقه فاسدون مفسدون، وانتهازيون وعملاء وأدعياء من كل صنف لون، يشوهونه ويتابعونه حتى الموت المعنوي أو الجسدي؟!
وأصبح إنساننا العربي، سواء استشعر الخطر الداهم أم لم يستشعره، أصبح في المِحنة ووقودا لنار الفِتنة، مغزوا من الخارج ومدخولا من الداخل، لا يأمَن على نفسه وملْكه وماله وعياله حتى من القريبين إليه والمقربين منه، حيث أودى الظلم والقهر بالإرادة، ونخر الفسادُ والإفساد الثقة والاعتماد المُتبادَل بين الناس.. وتشكل سوس ينخر شجرة الذات والأمة، ويشل قدراته ويشكِّك بها، ويحجُب عن أعماقها أنساغها، ويعري نُسجها الحية، ويحيل ذوات وذوات إلى وقوفٍ أموات، تتكئ الذات منها على منسأتها إلى أن تهوي من نخر الدود لها، فتسقط كجذع نخلٍ منقَعِر..
نحن في خضم هذا الواقع المَفروض المرفوض، لا نقتل الأشخاص الذين من هذا النوع الجيد فقط، بل نقتل الأمل ونؤسس للعقم والتخلف والبؤس واليأس.. وها نحن، ويا للحسرة وشدَّة الكَسْرَة،: “شهداؤنا نسيان والبعض بلا قبور وبلا أكفان، بينما عظام أعدائنا النَّخِرَة تُحْيا وتُحَيَّا بسباسب الرَّيحان؟! ها نحن “قتلُنا ألوان، والفتك بنا وفتكنا بأنفسنا ألوان، وبؤسنا وشقاؤنا ومِحَننا وكوارثنا ألوان، وصحونا مدخول بتناقضات حتى ليبدو نوعا مِن الرِّجْس أو لونا مِن مَسِّ الشيطان.. ها نحن آهة.. نصاب بعاهة بعد عاهة.. يوردنا موارد الهلاك أعداء وعملاء وإرهابٌ وأشرار فُتَّاك وساسة بثياب الأراقط.. تعملُ فينا الحرب فنونها، وتفرِّخ ألوان المِحَن والكوارث والفتن، وتلحق بنا أيدينا وأسلحتنا القتل المعنوي والمادي، ونغرق فيما يخلفه ذلك في أنفسنا وواقعنا من أدواء.. وتستمر الحرب بنا وعلينا وفي ديارنا، بينما أعداؤنا يعززون قواهم، وينشرون وقواعدهم، ويرفعون سقوف مطامعهم، ويتضاعف خطرُهم ويزحفون علينا بكل ثِقلِهم وثَقَلِهم.. ولا يكفون عن تهديدنا، ومحاصرتنا بنا، وسلخ شرائح مِن لحمنا، والعبث في كلِّ ما نراه “حصوننا المنيعة”؟!
ويا سبحان الله “الخَلُّ.. دُودُه مِنْهُ وفِيهِ”.

إلى الأعلى