الأحد 18 أغسطس 2019 م - ١٦ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / العالم قرية صغيرة
العالم قرية صغيرة

العالم قرية صغيرة

لعقود طويلة كان العالم العربي لا يهتم كثيرا بما يدور من حوله في العالم الخارجي من أحداث وتحولات كبيرة، وذلك بسبب الضغوط والتحديات الجسيمة التي يتعرض لها ليل نهار، وتجعله عاجزا عن الاهتمام بتلك التحولات التي تؤثر بشكل أو بآخر على مستقبله السياسي والاقتصادي، ولأنه تحمل ويتحمل نتائج تلك التأثيرات، بل ويدفع ثمنها غاليا في كثير من الأحيان، فلا مناص من الاهتمام بما يحدث بل والتأثير فيه بدلا من التأثر به، هذا إذا كنا نرغب في تحقيق الاستقلال التام، وامتلاك إرادتنا وقدرتنا على حماية سيادتنا من الانتهاكات الصهيو ـ أميركية التي لا تتوقف والتي تكاد أن تسلبنا مقدساتنا وأراضينا التي يتم إعلانها أراضي إسرائيلية على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
إن ما يحدث في الولايات المتحدة وما يحدث في المجتمع الغربي من تحولات، لهو من الأهمية بمكان بالنسبة لأوضاعنا، فهذه الدول لا تترك شاردة ولا واردة تحدث في منطقة الشرق الأوسط إلا ويكون لها دور فيها، وإذا لم يكن لها دور، تعمل سريعا على الدخول فيها وتوجيهها بالشكل الذي يخدم مصالحها ونفوذها، وما يحدث في فلسطين والدول العربية الأخرى التي تتدخل في شؤونها تلك الدول لهو خير دليل على ذلك. فسوريا وليبيا والعراق بل واليمن وتونس والجزائر والسودان لا يمكن أن نعزل ما يجري فيها من تطورات عن الإرادة الدولية التي تريد لتلك الصراعات أن تستمر، طالما أنها تصب في النهاية في صالحهم، فمواردنا النفطية وثرواتنا بأشكالها المختلفة يسهل الحصول عليها في ظل هذه الأجواء الصعبة التي تجعلنا في حالة ضعف شديد بالشكل الذي يدفع بالقوى العظمى في العالم لأن تتربص بنا وتستنزفنا مثلما نرى اليوم.
ومن هنا كان الاهتمام بما يجري في تلك الدول من قبلنا، والعمل على التأثير فيه بالشكل الذي يصب في صالح مشاريعنا لهو واجب الوقت، تماما مثلما فعلت روسيا في الولايات المتحدة، عندما لجأت إلى دعم الرئيس ترامب بعدما رأت أنه يساعدها في تحقيق مصالحها في منطقة الشرق الأوسط والعالم، ومثلما ترى تلك الدول في بعض الأنظمة والحكومات في العالم، كما هو الحال في الأزمة الفنزويلية، حيث تدعم الولايات المتحدة زعيم المعارضة التي تعتقد أنه قد يساعدها في تحقيق مصالحها على حساب الرئيس المنتخب للدولة.
ولا يعد هذا تدخلا في الشؤون الداخلية للدول الأخرى بقدر ما يعد محاولة للحفاظ على المصالح والحرص على تحييد القوى الكبرى في العالم تجاه قضايانا، فلولا الانحياز الأميركي لإسرائيل ودعم الرئيس ترامب اللامتناهي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لما تمادت إسرائيل في انتهاك المقدسات الإسلامية وسلب الأراضي العربية بهذا الشكل الذي نراه اليوم.
إن تأخر الدول العربية عن اللحاق بركب العالم المتقدم لهو سبب رئيسي لتدخل هذا العالم في شؤوننا، والعمل على تأجيج الصراعات في دولنا، وصب الاهتمام على إضعافنا بشتى السبل حتى لا تقوم لنا قائمة تضر بمصالح تلك الدول في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك فإن البداية الحقيقية للانسلاخ من ربقة التبعية والانطلاق نحو آفاق التقدم والبناء، إنما يتمثل في تحييد تلك القوى من خلال امتلاك الأدوات التي تمكننا من التأثير عليها، ودفعها لدعم المشاريع العربية والتوقف عن دعم المشروع الصهيوني في المنطقة والذي من شأنه أن يقضي على الدولة الفلسطينية وعلى المقدسات الإسلامية.

د. أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى