Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

في العمق : التحولات الأسرية ودور الوالدية في إعادة توجيه المسار

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية التحولات الاجتماعية الحاصلة في عالمنا المعاصر وانعكاسات ذلك على إدارة العلاقات الأسرية وتقوية الممكنات الداعمة لها، سواء من حيث تركيبة الأسرة وأنماط السلوك الأسري والعلاقات الاجتماعية وقضايا الاحترام والتقدير والطاعة وسلطة الوالدية ومنظومة الحقوق والواجبات والأخلاقيات والمبادئ والعادات والتقاليد وغيرها، وما فرضته على الأسرة من أنماط حياتية مختلفة وأساليب معيشية متنوعة، انعكست على موقع تأثير الوالدية في السلم الأسري نظرا لتعدد المؤسسات والموجهات التي باتت تتشارك مع الأسرة في عملية التربية والتنشئة والصقل والبناء والتوجيه والضبط، وبالتالي إلى أي مدى ساهمت هذه التحولات في تقليل سلطة الوالدية وتأثيرها في حياة الأبناء في ظل مؤشرات الأمن الاجتماعي والأسري وحالات الطلاق والجرائم الأسرية والعائلية والمخدرات وغيرها؟ بما يفسّر بأنه تراجع في الدور الوالدي واستسلام لمراهنات وسائط التواصل والضبط الحديثة سواء الرسمية منها أو غير الرسمية، وبالتالي ما أفصحت عنه من زيادة مستوى التباين الحاصل في الكيان الأسري والتغيّر الحاصل في الممارسات والتوجهات والقناعات الذي انعكس على كفاءة وفاعلية الضبط العائلي الأسري عامة والوالدي بشكل خاص، نظرا لتدخل العديد من العوامل والمؤثرات والمتغيرات ودخول بعض المؤسسات في عملية متابعة هذا الدور والإشراف عليه.
وبالتالي ما يمكن أن تؤسسه الفرضية السابقة ـ إن سلمنا بصحتها ـ من أهمية البحث عن حلول وبدائل تقوم عليها معادلة التكامل الأسري الناشئة في ظل تعزيز مقومات البناء النفسي والفكري والسيكولوجي لحياة الفرد، بالشكل الذي يضمن احتواءها لكل المشتركات في سبيل تشكيل شخصية الأبناء، مع المحافظة على سقف التوقعات الوالدية فيهم من حيث استقامتهم الدينية وأخلاقهم العالية وتمثيلهم للسلوك الأبوي، بالإضافة إلى توقعات الأبناء في ما يفرضه وجود الوالدية بينهم من قيمة مضافة لحياتهم تتعدى توفير متطلبات العيش الآمن وتسهيل وصوله إليهم إلى بناء منصات نجاح لهم في ظل حياة الإنتاجية والقوة والاستمتاع بكل الفرص الحياتية. إن من شأن رفع سقف توقعات الدور، المحافظة على بقاء السلطة الأبوية كمسار فكري راقٍ ومنهج أبوي واعٍ، يقرأ في سلوك الأبناء مسارات الثقة والإنتاجية والقوة والتمكين فيتعمق في فهم طموحاتهم ويدرك حقوقهم وواجباتهم، وبالتالي فهي سلطة تشاركية تتناغم فيها وجهات النظر للوصول إلى بدائل حياتية منتجه، نابعة من القناعة بما تؤديه من تأثير إيجابي في حياة الأبناء، والتحول الذي تؤسسه في ثقافتهم وأفكارهم وصناعة النماذج المضيئة فيهم، ومعنى ذلك أن تقوية حضور هذا الاعتراف بسلطة الوالدية يتجاوز ذلك الشعور السلبي المتولد لدى الأبناء حول نهج الوالدية في العيش في جلبابها وحالة الشدة التي تتعامل بها، فتنتفي في رابطة التعامل بينهما مفاهيم السلطوية والفوقية والفردانية التي تستهدف إثبات القوة وانتزاع حق التعبير عن الرأي والاختيار من الآخر أو الاعتراض منه أو اتباع سياسة الأمر الواقع عبر خضوعه المطلق للتعليمات الأبوية، أو أن يمارس الأبناء ثقافة الاستقلالية الفكرية المضادة لقناعات وأفكار الوالدية في ظل ميل الأبناء إلى رأي آخر قد يتعارض مع القرار الوالدي، ولذلك نعتقد بأن نهج التوازن في السلوك الوالدي يقف اليوم كأحد المحكات الرئيسية في نظريات التأثير والاحتواء وقدرة الوالدية على امتلاك ناصيتهما والتفاعل مع غاياتهما وإدراك متطلباتهما لصناعة شخصية الأبناء، فهي من جهة تحافظ على بقاء خطوط التواصل ممتدة ومساحات الالتقاء والتواصل مستمرة في ظل حوار وثقة ومسؤولية ومشاركة وإبداء للرأي والتمكين واحترام الخصوصيات، ومن جهة أخرى تؤسس في حياة الأجيال مسارات الاستقلال في الشخصية والاعتماد على النفس، والنضوج الفكري، وإعادة هندسة وتصحيح الممارسة، والمبادرة في ظل إحسان، وانصهار في القيم الأصيلة والتقاليد المجتمعية الراقية، وفق استراتيجيات أداء تظهر في سمو فعالهم ونبل خصالهم وكفاءة إنتاجيتهم وعدالة تعاملهم وصدق توجهاتهم.
على أن الصورة المفاهيمية والمدلولات الذهنية للوالدية وللمجتمع عامة وما حملته في ذاكرتها من صورة مشوهة لمجتمع الأبناء وعكسته من أوصاف أخرى كالانحراف والانسلاخ عن القيم والأخلاق وضعف التقدير والتمرد والمزاجية وعدم قدرته على التعامل مع إشكاليات الواقع، وأنه جيل يتسم بالاتكالية والاستهلاكية والاستهتار وغيرها من الأوصاف التي أسهمت في زيادة حالة الفجوة ومساحات التباين الحاصلة بين جيل الأبناء والآباء، قد شكلت منعطفا خطيرا في فاعلية هذا الدور وانعكست على سلوك الوالدية وتعاملها مع الأبناء ونظرتها السطحية إلى ما يحمله جيل اليوم من أفكار وقناعات مما قلّل من مستوى الحماس لديهم في قيامهم بمسؤولياتهم، وأصبحت مجرد أعذار يقدمها الآباء عند الحديث عن موقع السلوك الوالدي في منظومة الضبط الأسري والاجتماعي، لقد أنتجت هذه الصورة حالة من التشويه في طبيعة المسؤوليات ودعوة إلى التكاسل وعدم المبالاة، ما انعكس على حالة الشعور بالتوهان لدى الأبناء عندما لم يجدوا في الوالدين إرادة المتابعة والرعاية وعزيمة الإصرار على النصح والتوجيه.
وعليه فإن تصحيح هذه الصورة القاتمة يؤكد اليوم على أهمية استيعاب الآباء لكل المعطيات التي باتت تشكل واقع الأبناء وحياتهم، عبر مشاركتهم الاهتمام والوقوف معهم في الشدة والأخذ بأيديهم نحو التماس الأمل وبلوغ الهدف، بالشكل الذي يضمن في دور الوالدية مساحات أكبر لتعميق نهج الالتقاء، وترسيخ مواطن الود والتعاون وتقريب مفاهيم السلطة الوالدية في صورة نماذج محاكاة للواقع وممارسات تجريبية وتمكينية وتحفيزية وتقدير واحترام وتدوير للصلاحيات الأبوية، إذ إن من شأن هذا المسار توليد البدائل وخلق الفرص في سبيل تعزيز حضورها في حياة الأسرة، فتسود المسؤولية الوالدية قيم الحوار والوئام والصداقة والتواصل والشعور بالآخر، ليعيش الجميع حياة الطمأنينة والاستقرار ومرحلة الوعي والمسؤولية.
ويبقى إدراك الوالدية لطبيعة الدور القادم والتعامل الواعي والحذر والمؤثر مع كل ما يتعلق بالأبناء بما يحفظ استمرارية أدوات التواصل ومنصات الاحتواء، مرتبطا بصناعة التجديد في إنتاج هذا الدور، وتأصيل أفضل الممارسات المجيدة في التربية الأبوية والرعاية الأسرية وكفاءة العمليات التي تتم في البيت الداخلي للأسرة وطريقة أداء الحوافز وأساليب الثواب والعقاب وفهم حدود المسؤوليات، وترقية القيم الأخلاقية الوالدية المعززة للبر والإحسان والطاعة والاحترام، وترقية العاطفة وتعميق فضيلة الحب والعدالة الوالدية، وزيادة الحميمية الأسرية، وتقليل حالة التصادم أمام الأبناء، وتوحيد الخطاب الأسري الموجه إليهم في ظل التزامه مبادئ الحيادية والموضوعية والشعور بقيمة ما يطرح من قبلهم من أفكار وآراء على بساط النقاش والحوار، وما يمكن أن تؤديه الزيارات العائلية واللقاءات الأسرية في المناسبات الاجتماعية من تأثير إيجابي في حياة الأسرة والانسجام الذي يتولد فيها كنتاج لهذا التلاحم العاطفي والفكري والنفسي الذي سيكون مدد المجتمع في رؤية ملامح شخصية أبنائه.
وبالتالي فإن إجلاء حالة التشويش للصورة في دور الوالدية الضبطي والإجابة عن التساؤلات التي يطرحها واقع الأجيال الناتجة عن مؤشرات حالات الجرائم الأسرية والعائلية والمخدرات وغيرها، والوقوف على حجم هذه المؤشرات وتأثيرها على استمرارية دور الوالدية نحو إعادة توجيه المسار وإنتاج حلول وبدائل أكثر في التعامل معه، يستدعي اليوم عملا وطنيا متقنا، وجهدا مؤسسيا منسقا، وثقافة مجتمعية منتجة، تأخذ في الحسبان كل المتغيرات الحاصلة، في ظل تأطير وتنظيم وتقنين يعيد إلى الوالدية استحقاقات الدور المسلوب منها بفعل القناعات الشخصية أو التأثيرات الخارجية أو اتجاه القوة لسلطة الأبناء نظرا للقوانين والاتفاقيات واللجان التي باتت تتناول واقعهم وتقرأه في ظل سياسات دولية وبروتوكولات عالمية، وبما يؤكد في الوقت نفسه على الحاجة إلى إعادة النظر في السياسات والتشريعات والأنظمة والبرامج التوعوية والتثقيفية وتعميق دور الخطاب الديني والتعليمي والإعلامي وغيره.
لذلك نعتقد بأن الجهود الداعية إلى إدارة أنضج للعلاقات الأسرية وإيجاد مؤسسات ومراكز الاستشارات الأسرية ودور مؤسسات التعليم والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها، يجب أن تتجه إلى تثمير الاستفادة من الفرص ومشتركات التناغم والتواصل على مختلف الأصعدة، إذ من شأن ذلك أن يصنع حضورا أقوى للمشتركات في حياة الأسرة، وبروزا أكبر لدور القيم في تأصيل ثقافة احترامها وإعادة إنتاج هذا الدور بطريقة تستوعب كل الأحداث وتستفيد من كل الفرص المواتية لمزيد من الثقة، ويبقى تأطير ذلك كله في إعادة إنتاج هذه الثقافة الوالدية وتوجيهها وبعث الأمل في دورهم في حياة الأسرة والأبناء، وهو أمر بات يطرح اليوم على مجتمعاتنا العربية والمسلمة على حد سواء المزيد من التأطير الفقهي والديني والاجتماعي لدور الوالدية في التعاطي مع معطيات الانتزاع القسري الناتج عنها، وكيف يمكن تقوية دور المؤسسات الداعمة لهذا النهج في رسم صورة مكبرة تحفظ للوالدية استحقاقات هذا الدور من جهة، وتوطين التمازج والتناغم في حياة الأسرة بشكل يتناغم مع معطيات الثورة الصناعية الرابعة وما تحمله من مفاجآت تستدعي تطوير وإعادة طبيعة المسار الذي يعمل فيه، وتقوية الممكنات الوالدية الفكرية والنفسية والمهارية التي تتيح لها ممارسة دورها بطريقة احترافية تحفظ لها موقعها في السلم الاجتماعي.
فهل سيعيد السلوك الوالدي في ظل هذه المعطيات إنتاج دوره بطريقة أكثر ارتباطا بالواقع واستشرافا لمستقبل الأجيال فيستوعب وفق مسارات الاحتواء والتأثير كل حالات القلق والخوف وجوانب القوة والتميز في سلوك الأبناء بالشكل الذي ينعكس إيجابا على استعادة استحقاقات هذا الدور بطريقة أكثر نضجا ومهنية وريادة، فيرتقي الابن بذاته ويسمو بأفضل ما تعلمه من خصال الأبوة، ليحيى في الذاكرة ما قاله أبو العلاء المعرّي:
ويَنشأُ ناشئ الفتيانِ، مِنّا على ما كانَ عَوّدَهُ أبُوه
وما دانَ الفتى بحِجًى، ولكنْ يُعَلّمُهُ التّدَيّنَ أقرَبُوه
أم سيظل ينظر لدوره من بعيد معتذرا عن الدخول في معمعة الأحداث بحجج واهية وعبارات متداولة، في اعتراف بضعفه واستحياء من مبادرته، ونقص في ممكنات النجاح لديه، وقوة المؤثرات المنازعة له في تشكيل هوية الأجيال وثقافتهم، فيقصر مراهناته على كفاية ما أنتجته وسائل الضبط المعاصرة وتقنياتها المختلفة؟

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com


تاريخ النشر: 24 أبريل,2019

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/328339

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014