الثلاثاء 21 مايو 2019 م - ١٥ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / من يحرك الجماهير؟!

من يحرك الجماهير؟!

فوزي رمضان
صحفي مصري

عندما تحتشد الجماهير على هدف ما، أو قضية بعينها، أو احتجاج على فساد، أو تنجذب نحو شخص معين، يدفعك الفضول وتتساءل: ما السبب؟ وما المحرك؟ وما القوة الخفية التي تلملم تلك الحشود وتجمع شتاتهم، وتدفعهم نحو الاقتحام، وتحثهم على فعل التجمهر أو الحشد أو التأييد؟ والسؤال يفرض نفسه: من الذي يحرك الجماهير نحو الشارع؟!
هل هي وسائل الإعلام؟! .. حقيقة نجحت فعلا فضائيات معروفة في تشكيل الرأي العام الجمعي لدى قطاع هائل من الجماهير، وباللعب على أوتار تفشي الفساد والقهر، والظلم الاجتماعي وتعطيل القانون .. نجحت في تجييش الجماهير نحو التمرد على الأنظمة السياسية. وفي خضم الزخم الثوري، تناست الجماهير أن تلك الوسائل الإعلامية لم تكن تعمل لوجه الله، بل شابها الكذب والتدليس والافتراء، وتزييف الحقائق وتزوير الوقائع بغية الوصول لهدف التمرد، ثم هدم هياكل الدول، تمهيدا للتفتيت والتقسيم والتقزم.. ولما باتت تلك الوسائل مكشوفة الغرض، مفضوحة الهدف، هتك سترها وفضح أمرها للمجاميع، إلا القلة.
هل وسائل التواصل الاجتماعي تحرك الجماهير؟! حتى الآن نجحت فعلا في الحشد وسط عالم افتراضي، لكنها فشلت في دفعهم نحو الشارع الواقعي، ومع تكرار وكثرة هموم المجتمع انحصر دورها في مجرد العدوى اللحظية أو الموسمية، حيث تظهر أعراض الهياج والغضب على مجتمع ما، وسرعان ما يتم العلاج ومن ثم يتلاشى تأثيرها، وتعاود نفس الفضائيات والمواقع، وتستميت في تحريك جماهير دول بعينها، وتطلق نحو مسامعهم، وتمرر صوب بصرهم نفس سيناريو التزييف والتزوير، فلا مجيب لدعواتها، ولا سميع لكذبها، ولا مستحسن لمكالماتها الممجوجة سوى القلة.
هل نشطاء الحريات ومنظمات حقوق الإنسان، والمعارضة بشقيها الوطنية والمرتزقة، تستطيع تحريك الجماهير؟! طبقا لسياسة “لا يلدغ المرء من جحر مرتين” كانت ردة الفعل غالبا لدغت الجماهير بادئ الأمر حين دس هؤلاء السم في العسل، واكتشف أمرهم، حين هانت عليهم أوطانهم بالاستقواء بالخارج لهدمها، وحين استرزقوا وتكسبوا من تدمير بلدانهم، واستخدمت حقوق الإنسان للابتزاز وتركيع الدول، حينها طالت كل هؤلاء السمعة السيئة ووصمة العار، وجارت تلك الأفعال الشائنة على المعارضة الوطنية الشريفة، التي انكمشت وانحصر دورها في مجرد التنديد والاعتراض لا أكثر ولا أقل، ولم تقدم حلولا لمشاكل المجتمع، فبات سعيها غير مشكور، يعجز حتى على تحريك قطع الشطرنج، فما بالك بتحريك الجماهير.
غالبا ما يجهل الباعث أو المحرك أو المستفز لحراك الشعوب عامل الجمهور النفسي والعاطفي، فمثلا العاطفة الدينية مجرد فكرة تسيطر على البشر، وهذه العاطفة تمتلك قوة مخيفة تجعل الجماهير تخضع لها خضوعا أعمى، وغالبا الجماهير في مجملها لا تبحث عن الحقائق، بل تبحث عن الأوهام، عكس الفرد الذي يبحث عن الأدلة والبراهين. ومن هنا يكون المحور الأساسي في تحريك الجماهير، من خلال الوعود والعبارات التي تضرب أوتارا حساسة، تتسلل إلى لا وعي تلك الجماهير، عكس من يركز على النقد والسلبيات، والتهكم والتسفيه وتضخيم المشاكل، أو بث الإحباط أو اليأس والقنوط، أو من يتاجر في الآلام البشر وهمومهم.
ينقاد الجمهور في حراكه، وينجذب نحو من يبث الأمل حين ينعدم، ويخضع دائما للإنسان المزود بإرادة قوية، ووفقا للدراسات النفسية للجماهير، فإنها تميل دائما إلى أن يكون لها زعيم يقودها، طبقا لنظرية الفرنسي جوستاف لوبون، حينما يجتمع عدد من البشر يبحثوا عن قائد أو زعيم يلهمهم، ويضعوا أنفسهم بشكل غريزي تحت سلطته، وتصبح إرادته هي النواة التي تتحرك حولها إرادة الجماهير، وتكون المهمة الأساسية المنوط بها القائد، هي بث الإيمان في قلوبهم، سواء الإيمان الديني أو السياسي أو الاجتماعي.
هل الحقد والقهر والجوع والظلم، والشعور باليأس يحرك الجماهير؟! بالفعل عند شعور الفرد بحقد أو قهر من شيء ما، يظل شعوره كامنا في مكنون اللا وعي، وبمجرد انخراطه مع الجماهير، يتحول هذا الشعور إلى حقد أسود، يدفعه نحو الهياج والتمرد، وتدمير الممتلكات وأعمال السلب والنهب، ربما يجبن فعلها منفردا.. وفور انخراط الفرد في الجماهير يسيطر عليه إحساس عارم بالقوة، ويتحكم في اللا وعي، ويخضع منصاعا له، ثم يستسلم أسيرا لإرادة القوة التي تعلو قوته.
إذن من يحرك الجماهير؟! لا يمكن تحريك الجماهير إلا عن طريق عاطفته؛ وعاطفته المتطرفة.. الجماهير وفقا للدراسات النفسية فوضوية بطبيعتها، تميل إلى حب السلطة القوية، وتخاف من فقدانها.. إنها تتمرد وتتكالب على السلطة الضعيفة، وفي حال كانت السلطة بين القوة والضعف فإن الجماهير تتأرجح أيضا بين الالتزام والفوضى. إن الغريزة الثورية والانتماء إلى قضية ما، أو مشروع قومي بعينه يحفز روح الجماعة بشكل كامل، ولا تستطيع الجماهير أن تعيش دون الخضوع نحو فكرة أو قضية أو مشروع كبير.
حتى الأنظمة الديمقراطية تستطيع أيضا أن تحرك الجماهير عن طريق التأثير على العقل الاجتماعي وصياغة الوعي، وجعل المواطنين يعتقدون أنهم أحرار، ولديهم حرية الاختيار، يتم هذا عن طريق نخب معينة، منوط بها السيطرة على الجماهير من خلال النفاذ إلى أعماقهم اللاواعية، ومن ثم التلاعب بهم، من خلال تصدير أفكار معينة، وتوكيدها وتكرارها حتى تستطيع توجيهه نحو الواجهة المطلوبة.
تتحرك الجماهير في الأنظمة الغربية بفعل الحكومة الخفية أو الزعيم الخفي، بينما في الأنظمة العربية، تتحرك بحثا عن الرجل القوي، لذا فشلت معظم الثورات لفقدانها القائد والزعيم. إن الشعوب لا تستسلم أبدا إلا للرجل القوي، وليس بفعل تأثير الفضائيات، أو وسائل التواصل أو النشطاء الحقوقيين، فمن الممكن أن تنجذب الجماهير نحو فكرة، لكن لا تتجمع إلا حول زعيم.

إلى الأعلى