الثلاثاء 21 مايو 2019 م - ١٥ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / روما (كوارون) التي أهدته الثناء والأوسكار
روما (كوارون) التي أهدته الثناء والأوسكار

روما (كوارون) التي أهدته الثناء والأوسكار

رؤية : طارق علي سرحان
لم يكن يتوقع المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون بأن ذكريات طفولته المشتتة وغير المستقرة، ستكون سببا في أن ينال استحسانا وثناء كبيرا من النقاد، فيما أهدته أعظم جوائز السينما، “أوسكار” أفضل فيلم أجنبي هذا العام ، ومن قبلها جائزة “بافتا” لأفضل فيلم و”الأسد الذهبي”.
“روما” وهو اسم الحي الذي نشأ فيه كوارون، بمدينة مكسيكو سيتي، خطه الدرامي الرئيسي يحكي قصة عائلة مكسيكية من الطبقة المتوسطة، عاشت في سبعينيات القرن الماضي، مكونة من الأب والأم و4 أطفال، لكن يكتسب العمل عمقه من خلال مربية الأطفال وعاملة المنزل “كليو”التي تجسد دورها الممثلة ياليتزا أباريسيو. نستطيع القول بأنها بطلة العمل وقوامه وعقدته التي يرتكز عليه كوارون لتسليط الضوء على حال بلاده خلال فترة زمنية شهدت توترات سياسية معقدة شابها تناقضات طبقية.
ومن هذا المنطلق تتضح رؤية المخرج الذي يبدأ في استعراض ذكرياته بدءا من كليو وهي من إحدى الاقليات “سكان المكسيك الاصليين”، تعمل لدى العائلة “المفترضة” للمخرج، بلا كلل. تمتلك حنانا وطيبة وصبرا تتجسد في طريقة معاملتها للاطفال الذين تدعوهم بـ”ملائكتي الصغار” وهم يحبونها كثيرا.
العائلة على شفا التفكك والانهيار، فالأب الطبيب “أنطونيو” يقوم بدوره فرناندو جردياجا، يعتزم هجرها بعد ان تسللت لحياته امرأة اخرى، فيما تبحث الام القوية المتماسكة في وجه التحديات، تجسد دورها “مارينا دي تافيرا”، عن وظيفة أخرى تستطيع من خلالها تدبير نفقات المنزل.
لكن هذه الامور لم تكن وحدها من يؤرق مضاجع كليو، فقد كان هاجسها الاكبر ردة فعل سيدتها الحزينة الغاضبة، حينما تصارحها بحملها من أحد الشباب “فيرمين” الذي يتنصل منها، والتي لا تعلم عنه الكثير، باستثناء شغفه بالفنون القتالية وانه قريب لـ”رامون” الموسيقي وحبيب زميلتها “آديلا” التي تقوم بإعداد الطعام.
من عالم الخيال العلمي إلى عالم “الواقعية الايطالية الجديدة”، يطرق ألفونسو كوارون باب السينما من جديد، بعد غياب استمر نحو 5 أعوام، منذ تقديم تحفته “Gravity” الذي حصد 7 جوائز أوسكار. لكن تلك المرة هو الكاتب والمخرج والمصور، وبطله أحداث استوحاها من حكايات مربيته الحقيقية “ليبو” التي عاشت في كنف عائلته منذ شهره التاسع، وهي الآن في عقدها الثامن، واستعان بها في السرد كونها شاهدة على أحداث العمل الذي أهداه إليها.
يقدم كوارون فيلمه باللونين الأبيض والأسود، لا ادري لماذا؟ ولكن ربما أراد ان يعبر عن فترته الزمنية، أو لشحن جمهوره عاطفيا لادراك “نوستالجيته”. في الاخير فإنه اختيار موفق ويترك شعورا مختلفا واثرا ايجابيا ويمنح العمل واقعية أكثر.
يبرع المخرج المكسيكي صاحب الرؤية المتفردة في دمج عناصر العمل بنجاح، فجعله متوازنا ـ لم الحظ أنه آثر عنصرا على غيره والدليل عدم استخدامه الألوان أو الموسيقى التصويرية واكتفى باستبدالها بالصورة والتعبيرات التمثيلية.
عبر كادرات واسعة “طويلة” وحركات “بانورامية”، حيكت في غاية الدقة، تتنقل كاميرا كوارون بسلاسة وجمال عبر سلسلة أحداث تتنوع بين “الخاص” والعام”، فمن مشاهد خاصة تختلي فيها الكاميرا بكليو كتلك حين تمسك بمعطف فيرمين وتجلس وحدها أمام عتبات السينما عندما علمت أنه هجرها، وتلك الاخرى حينما تذهب لتشاهد الأطفال حديثي الولادة داخل حضانة المستشفى قبل أن تتوفى طفلتها عند ولادتها، وهو من أكثر المشاهد احترافية استخدم فيه أطباء حقيقين، الى مشاهد وقوع الزلزال، واندلاع تظاهرات الطلاب، والاستعراضات العسكرية، واحتفالات أعياد الميلاد، وما تعرف باسم “مذبحة كوربوس كريستي” أو “جسد المسيح” عام 1971 وما احتوت عليه من تجمعات ضخمة.
“الطبقية” حاضرة في فيلم “روما”، وتظهر من خلال المقارنة بين بيئة كليو المعدمة ومن على شاكلتها من تلك الطبقة ـ ولا اقصد التقليل أو الاهانة بل على سبيل التوضيح، وبيئة مخدوميها “البرجوازية” وحياتهم المنعمة الراقية. تلك التفاصيل وغيرها قد نجح كوارون في صنعها ليضعنا في قلب الحدث، والعمل مليء بها، مشاهد حتى وإن تأتي مكررة الا انها لم تكن ابدا مصدر للضجر أو الملل، كالكلب الذي يريد أن يخرج في كل مرة يفتح فيها الباب، والأب الذي يعاني دوما من الدخول بسيارته العريضة داخل مرآب المنزل، وهنا إشارة تعكس عدم قدرته على التحكم في أمور حياته المنزلية، بعدها ستقرر الأم استبدالها باخرى صغيرة يسهل دخولها المرآب.
أداء عظيم كبير لجميع الممثلين، حتى الصغار منهم، كل على حسب دوره، يكفي انهم قدموا أول أدوارهم، وإشادة خاصة مني لأداء “السهل الممتنع” والحضور القوي جدا لياليتزا أباريسيو ومارينا دي تافيرا اللتين أتقنتا دورهن ببراعة دون تكلف او تصنع. حيث إنهن استطعن تجسيد معاناة المرأة حين تواجه مصائبها وأحزانها بـ”عدم الانفعال”.
يجدر بي هنا أن أشير الى ان المرأة محور انشغال كوراون في اغلب أعماله، وإن كنت من متابعيه ستجد دليل قوي على هذا يتجلى خاصة في فلميه ” Children of Me” و” And Your Mother Too” وحتى ” Gravity” الذي تحدثت عنه في السطور الاولى.
“روما” .. ليس سيرة ذاتية عن ألفونسو كوارون، بل أحداث ووقائع من تاريخ المكسيك، فجوة طبقية ومشاكل اجتماعية وأسرية يخلق بها كوارون عالم فعلي نعيش داخله، وهو ما أعتبره واحدا من أفضل التجارب السينمائية الانسانية الثرية التي قدمتها المكسيك.

Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى