الثلاثاء 20 أغسطس 2019 م - ١٨ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / خلع عباءة الإرهاب
خلع عباءة الإرهاب

خلع عباءة الإرهاب

استيقظت سريلانكا الأحد الماضي على جريمة إرهابية مفجعة، حيث وقعت عدة تفجيرات في ثلاث كنائس وثلاثة فنادق فاخرة بسريلانكا في عيد القيامة أسفرت عن مقتل نحو 310 شخصا وإصابة أكثر من 500 آخرين ـ بحسب الشرطة السريلانكية. وحدثت الهجمات في كنيسة سانت سيباستيان في كاتوابيتيا شمال كولومبو، وكنيسة إنجيلية في باتيكالوا بالإقليم الشرقي، واستهدفت الهجمات أيضا ثلاثة فنادق هي شانجراي-لا كولومبو وكينجسبري وسينامون جراند كولومبو، كما شهد الهجوم على الفنادق سقوط قتلى وجرحى من بينهم أجانب.
الحادث تبنته جماعه إرهابية تدَّعي انتماءها إلى تنظيم “داعش”، فقد أعلنت وكالة أعماق المحسوبة على التنظيم (تبني التنظيم الهجوم الذي نفذ بسريلانكا وأودى بحياة المئات داخل كنائس وفنادق متعددة). فيما ألقت الحكومة باللوم على جماعة جهادية محلية غير معروفة هي “جماعة التوحيد الوطنية”، على الرغم من أنها لم تعلن مسؤوليتها عن تنفيذ هذه الهجمات، ورجحت الحكومة أن تكون الجماعة المزعومة امتدادا لتنظيم “داعش”، حيث قال المتحدث باسم الحكومة، الوزير راجيثا سيناراتني “لا يمكنني أن أتخيل كيف استطاعت جماعة محلية تنفيذ مثل هذه الهجمات بدون دعم دولي”، وهو التصريح الذي يشير إلى ضلوع أطراف دولية في الحادث. فيما قال وزير الدولة لشؤون الدفاع أمام البرلمان إن “التحقيقات الأولية كشفت أن ما حدث في سريلانكا كان ردا انتقاميا على الهجوم ضد المسلمين في كرايست تشيرتش”.
وبالنظر إلى التركيبة السكانية إلى سريلانكا نجد أن عدد سكانها ما يقارب 22 مليون نسمة موزعين على 4 ديانات رئيسية؛ 70% منهم يتبعون البوذية ويحظون بمكانة مميزة بين أفراد الشعب والوظائف المهمة في الدولة، فيما يتبع 15% الهندوسية، والـ15% الأخرى موزعة بين المسلمين والمسيحيين بنسبة متقاربة جدا.
ومن منطلق معاناة الأقليات السريلانكية خصوصا المسلمين والمسيحيين من تطرف البوذيين، فإنهم استغلوا الحدث الإرهابي ليوجهوا البوصلة صوب المسلمين ويقدموا مبررات مسبقة للتضييق عليهم واستهدافهم، ونفس الوضع ليس ببعيد عن المسيحيين، حيث تقول جماعات مسيحية إنها واجهت تهديدا متزايدا من بعض الرهبان البوذيين المتطرفين في السنوات الأخيرة، وفي العام الماضي وقعت اشتباكات بين الأغلبية البوذية السنهالية والأقلية المسلمة، واتهمت بعض الجماعات البوذية المسلمين بإرغام الناس على اعتناق الإسلام.
تصريحات السلطات السريلانكية أيضا مثيرة للغموض وربما يعتبر التوجه هو الكاشف الحقيقي لها، فقد قال متحدث الحكومة إن السلطات تلقت معلومات وتحذيرات سابقة عن الهجوم من أجهزة مخابرات دولية، لكن لم يبلغ بها رئيس الوزراء رانيل ويكريميسينجي ـ بحسب وسائل الإعلام العالمية. وأعلن مكتب رئيس الجمهورية حالة الطوارئ العامة في اليوم التالي، وبدأت الشرطة في اعتقال أشخاص يعتقد أن لهم صلة بالتفجيرات وأنهم أعضاء “في جماعة التوحيد الوطنية”.
وفي خضم الإدانات الدولية للحادث، كان ضمن تصريحات الساسة العالميين ما يستحق الإشادة، وهو موقف جاسيندا أرديرن رئيسة وزراء نيوزيلندا فوصفت التفجيرات بأنها “مدمرة”، وقالت: “بشكل جماعي، علينا أن نجد الإرادة والحلول لإنهاء هذا العنف”، وكانت الوحيدة التي تناول تصريحها البحث عن الحلول، خصوصا وأن المسلمين في بلادها تعرضوا لحادث إرهابي الشهر الماضي بأحد المساجد أسفر عن مقتل 50 شخصا.
البوذية ديانة تقوم على مذهب فلسفي يستهدف سعادة الفرد، وتؤمن بتعدد الديانات وما يكفل القضاء على العدوانية، إلا أن الحقيقة التي على أرض الواقع في سريلانكا مختلفة تماما، فقد وقعت أسوأ أعمال العنف ضد المسلمين هناك على أيدي متمردي التاميل، وبعد أن وضعت الحرب الدموية أوزارها بهزيمة المتمردين عام 2009، وجدت الأغلبية البوذية تفريغ غضبها هدفا جديدا في الأقلية المسلمة.
استهداف المسلمين والإشارة لهم بأصابع الاتهام عند وقوع كل حادثة إرهابية، سواء كان للمتطرفين علاقة بها أم لا أصبح أمرا منفرا؛ لأن العالم عانى خلال السنوات القليلة الماضية من التطرف غير المبرر ضد الإسلام وضد المسيحية أيضا، سواء في سريلانكا وبورما أو في بعض الدول الآسيوية، فيما لم نسمع عن أي اعتداء أو عمل إرهابي ضد الديانة السماوية الثالثة (اليهودية) رغم وجود أتباع لها كأقليات نافذة في العديد من بلدان العالم.
إن الإرهابيين بمختلف معتقداتهم ربما يعتقدون أن تطرفهم أصبح علاجا لكل مشاكل الإنسانية قبل أن يكون حاجة لإشباع رغباتهم، ولهذا لا تجد اليد الملوثة بالدماء إلا الأقليات لتبث فيها حقدها وتطرفها العقائدي، فيما يقبع المسلمون دائما خلف أسوار قفص الاتهام حتى وهم ضحايا، ولعل الأيام القادمة تنصفهم وتخلع عنهم عباءة الإرهاب الملصقة بهم جبرا لا اختيارا.

جودة مرسي

إلى الأعلى