الثلاثاء 21 مايو 2019 م - ١٥ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / المنطقة و”العركة” السياسية القادمة

المنطقة و”العركة” السياسية القادمة

علي بدوان

يتوقع أن تواجه حكومة نتنياهو القادمة جملة من المصاعب الكبرى التي باتت تمليها عليها الخطوات الأميركية المعنونة بمشروع “صفقة القرن”. فهذه الصفقة تواجه بدورها مصاعب جمة، ستودي بها على الأرجح باعتبارها تمس المصالح الوطنية والقومية لعموم المنطقة، وخصوصا لدول الطوق العربية المحيطة بفلسطين، عدا عن مساسها بالقضية الفلسطينية، ونسفها لــ”حل الدولتين” والاستعاضة عنه بدويلة فلسطينية على حساب الأرض المصرية في سيناء، حين تتحدث الصفقة ـ وفق التسريبات الأخيرة ـ عن إمكانية منح مصر مساحة 700 كيلومتر مربع من سيناء لصالح توسيع قطاع غزة، مقابل التعويض عن مصر بأرض في صحراء النقب… وهكذا.
إذًا، المصاعب ستكون كبيرة جدا أمام حكومة نتنياهو، ولن ينقذها شعارات التطرف التي أوصلت قوى اليمين واليمين المتطرف إلى موقع القرار مرة جديدة في “إسرائيل”، وهي القوى التي توسَّعَ حضورها في الكنيست وزاد عدد مقاعدها عن الدورة السابقة. بل إن شعارات التطرف الانتخابية التي سبقت الإقبال على صناديق الاقتراع، ستودي بما تبقى من العملية السياسية (عملية التسوية) إلى الهاوية، وستهيل عليها التراب وبشكل نهائي، بعد أن ماتت تلك العملية في أوحال التطرف “الإسرائيلي”، والانحياز الأميركي الأعمى لصالح “إسرائيل”، وهو ما أشارت إليه العريضة التي وقعها عدد كبير من القادة الأوروبيين السابقين مؤخرا، وفيها التحفظ على مشروع “صفقة القرن”، باعتبارها تنسف المرجعية الدولية وقراراتها ذات الصلة بشأن القضية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.
في هذا السياق، أصوات اليمين تتعاظم عند أصحاب الرأي اليميني والمتطرف في دولة الاحتلال، داعية نتنياهو لالتقاط الفرصة والإجهاز على القضية الفلسطينية، فقد كتب الصحافي “الإسرائيلي” أريئيل كهانا على صفحات مطبوعة “يسرائيل هيوم” قائلا: “بعد عشر سنوات من الحرث العالمي العميق، وبالنظر إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد لا يتم إعادة انتخابه، يجب على نتنياهو الاستفادة من العام ونصف العام المقبلين لإغلاق القصة الفلسطينية مرة واحدة وإلى الأبد”. مستندا إلى أن الظروف التي نشأت في الواقع الحالي نادرة، وعلى حد تعبيره فإن: “الأوروبيين في الغرب ضعيفون نسبيا على مستوى العالم. والفلسطينيين لا روح لهم بعد الضغوط اليومية الهائلة عليهم، والحكومة والجمهور الإسرائيلي يمينيان بطريقة غير مسبوقة، وفي البيت الأبيض هناك رجل شجاع ومحب لإسرائيل، لم يكن مثله. هذه ليست نافذة فرص إنها عالم كامل”. ونشير هنا إلى أن السلطة الوطنية الفلسطينية تدفع إلى موظفيها نصف رواتبهم فقط منذ عدة أشهر على ضوء المشاكل النقدية الحادة التي واجهتها، نتيجة للقرار الفلسطيني برفض استلام وتلقي أموال المقاصصة من سلطات الاحتلال (المجباة عن تدفق البضائع لأراضي السلطة الوطنية الفلسطينية) بعد ابتلاعها جزءا منها تحت حجة رفض تسليم ذوي الشهداء والأسرى الفلسطينيين مستحقات عائلاتهم، وهو ما رفضته السلطة الوطنية الفلسطينية، التي ما زالت تقوم بتسليم عائلات الأسرى والشهداء كامل المستحقات المعيشية.
إن نتنياهو، وأركان قيادته، يدركان تماما، بأن “صفقة القرن” مرفوضة فلسطينيا وعربيا، لذلك يقترح الكثيرون من أركان قيادة حزب الليكود وضع خطة على الطاولة من شأنها أن تضمن احتفاظ دولة الاحتلال بمناطق واسعة من الضفة الغربية، وضم المناطق (ج) التي تعادل مساحتها نحو68% من مساحة الضفة الغربية، وترسيخ خطوط الاستيطان التهويدي حول القدس المحتلة، وعلى طول وعرض الضفة الغربية بأكملها، وبالطبع بما يشمل وجود جيش الاحتلال في كل المواقع المهمة في الضفة الغربية. ويطرح قادة الليكود أيضا، تقديم حقوق مدنية فقط ـ لاحظوا حقوق مدنية فقط ـ لمواطني الضفة الغربية من أبناء الشعب الفلسطيني، أصحاب الأرض الأصليين، وربما من خلال كونفدرالية مع الأردن، وهو ما يرفضه الأردن رفضا تاما انطلاقا من إدراكه للمبتغى “الإسرائيلي” من وراء ذلك، وهو نسف إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة كما تقول الشرعية الدولية، وكما يُجمع العالم بأسره على هذا الحل.
في هذا الإطار، يبقى الهاجس الأمني، وخصوصا بشأن قطاع غزة، هو الغالب والمسيطر على تفكير نتنياهو وحزب الليكود، الحزب المقرر له قيادة الائتلاف الحكومي، فقد كتب الصحافي “الإسرائيلي” ليلاخ شوفال، على صفحات مطبوعة “يسرائيل هيوم” قائلا: “إنه بالإضافة إلى الجهود المبذولة لتشكيل ائتلاف حكومي يميني، لتوزيع الحقائب الوزارية، لتمرير ميزانية الدولة الجديدة ومعالجة القضايا القانونية التي تتربص به في الزاوية، سيتعين على رئيس الوزراء المنتخب أيضا التعامل مع القضايا الأمنية الملحة التي لا يمكن أن تنتظر للحظة واحدة، والقضية الأكثر إلحاحا هي الوضع في قطاع غزة وإمكانية حدوث الانفجار بوجه إسرائيل، خصوصا مع التخفيضات الهائلة في رواتب موظفي السلطة، حيث مع مرور الوقت، فإن المشكلة ستصبح أكثر حدة مع حلول شهر رمضان القريب. والتخوف الكبير في إسرائيل هو أن يؤدي ذلك إلى تقويض الأرض وإلى موجة من العمليات. وفي الخلفية لا يمكن تجاهل إضراب الأسرى”.
وخلاصة القول، إن اعتمالات جديدة قادمة، ومتوقعة في المنطقة، التي تنتظر “عركة سياسية” عندما يتم طرح النصوص الرسمية الكاملة للخطة الأميركية “صفقة القرن”، ومع تشكيل الائتلاف الحكومي في دولة الاحتلال، ستتضح هوية وزير الأمن المقبل في الأسابيع القادمة، والمتوقع أن يكون أحد المتهورين والمتطرفين، وسيكون على الأرجح أفيجدور ليبرمان، اليهودي الموالدافي الأصل، وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا”. وهو صاحب الدعوة للحسم في قطاع غزة، واجتياحه من جديد.

إلى الأعلى