السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / في يوم واحد: حزن على مجزرة وفرح على انطلاقة مقاومة
في يوم واحد:  حزن على مجزرة وفرح على انطلاقة مقاومة

في يوم واحد: حزن على مجزرة وفرح على انطلاقة مقاومة

مقدمة:
يسيطر وجوم على زوار مقبرة مجزرة صبرا وشاتيلا .. كأن الحادثة وقعت البارحة .. عامل الزمن لا يمحي المجازر الهائلة كتلك التي بات اسمها من أشهر ما عرفته مذابح البشرية خلال القرن الماضي.
ــــــ
في السادس عشر من سبتمبر من كل عام، ترن في المجتمع اللبناني حادثتان متناقضتان: الأولى المجزرة المشهورة أعلاه، والثانية تأسيس واعلان جبهة المقاومة اللبنانية ضد العدو الصهيوني. والحادثتان وقعتا في العام 1982، اي في لحظة “الانتصار” الاسرائيلي الذي تحقق باجتياح لبنان وصولا إلى بيروت.
قالت لي احدى المتضررات من المجزرة، ان صور الضحايا ما زالت موجودة في البيوت، وانه كلما ارتكبت اسرائيل مجزرة جديدة تفتح البال عن كل ما فعلته من مجازر وخصوصا تلك المجزرة الوحشية.
كاتب هذه السطور يمكن له ان يكون شاهدا على بعض ما جاء في تلك الأيام الرهيبة التي ارتكبت فيها افظع المذابح بحق الإنسان الفلسطيني الذي كان ما زال يعيش افرازات الاجتياح الاسرائيلي الذي كان قائما. في ذلك اليوم كنا في ندوة نقاش في مرسم الفنان التشكيلي الفلسطيني مصطفى الحلاج في بيروت .. كان ثقل الاجتياح الإسرائيلي ما زال قائما .. فجأة نده علينا الفنان الحلاج ليرينا قنابل مضيئة بعيدة نسبيا عنا، لكنه اكد انها فوق احد المخيمات الفلسطينية. ظلت تلك القنابل تضيء سماء المكان ذاته لثلاثة ايام وأكثر. وحين عاد العتم إلى حاله ، وبيروت كلها آنذاك بدون كهرباء ولا ماء ولا طعام .. بدأ السؤال الذي ظهر لاحقا مجزرة بهذا الحجم. لم يكن بالإمكان رؤية ازقة المخيمين الممتلئين بالجثث المتراكمة ، بحيث جثة طفل الى جانب كهل وبقربهما جثة امرأة . ربما أكثر الصور تأثيرا فيما بعد كانت لذلك الكهل الذي تمدد على الارض وبقربه عصاه التي كان يتوكأ عليها.
عندما فاض الكلام عن وجود حدث جلل في صبرا وشاتيلا قمنا بزيارة المكان، واكاد لا أنسى المشهد المروع الذي ما زال يصاحبني وتلك الجثث التي من الواضح ان بعضها قتل رميا بالرصاص والأخرى بالبلطات والسكاكين، وربما بعد اطلاق الرصاص ايضا. بعض المصادر قالت إن هنالك اكثر من ستة آلاف فلسطيني ولبناني من سكان المخيمين قتلوا، البعض يرفع العدد إلى اثني عشر ألفا .. ومهما كان الاختلاف في الارقام فمن الواضح ومن تكدس الجثث الذي لم يكن ليسمح لنا بالعبور هنالك آلاف مؤلفة.
/// يوم الوداع الحزين
جمعية الدراسات الفلسطينية قدمت عرضا جديدا لتلك المجزرة حسب وقائعها:
الاربعاء 15 سبتمبر
الجيش الاسرائيلي الموجود حول بيروت يتقدم على اربعة محاور من المطار الى مستديرة شاتيلا ومن السفارة الكويتية نحو الفاكهاني وكلها اماكن محيطة بالمخيمين، ومن مرفأ بيروت بل من المتحف الى شارع كورنيش المزرعة وسط بيروت .. الحجة التي تذرع بها الاسرائيليون حماية السكان في بيروت الغربية من اعمال انتقامية مختلفة تقوم بها الميليشيات بعد اغتيال بشير الجميل. السادسة عصرا: الدبابات الإسرائيلية تتمركز عند المفارق الرئيسية كما تطوق صبرا وشاتيلا من الجنوب .. اقام الجيش الاسرائيلي مقر قيادته من ثماني طبقات على بعد 50 مترا من المخيم.
الخميس 16 سبتمبر
الخامسة صباحا: المروحيات الاسرائيلية تحلق مجددا في سماء بيروت فتلقي الرعب في نفوس السكان. السادسة صباحا: الدبابات تتقدم في شوارع بيروت فيما لقيت مقاومة شرسة من مقاتلي الحركة الوطنية، لكن القذائف بدأت تنهمر بغزارة على مخيمي صبرا وشاتيلا المحاصرين فيما عقد اجتماع ضم الشيوخ والوجهاء في المخيم وقرر هؤلاء ارسال وفد الى الجيش الاسرائيلي ليوضح له انه لم يعد هنالك مقاتلون في المخيمات (لم يعد هذا الوفد الى المخيم ووجدت جثثهم قرب السفارة الكويتية القريبة جدامن المخيمين المذكورين).
الثالثة بعد الظهر تكثيف القصف على صبرا وشاتيلا، فيهرب البعض الى مستشفى عكا القريب للاحتماء به. نحو 50 امرأة وطفلا يحملون العلم الابيض اتجهوا الى مركز القيادة الاسرائيلية الا ان هؤلاء لم يعودوا ووجدت جثثهم لاحقا. في هذا الوقت تسلل إلى مخيم شاتيلا مسلحون بالفؤوس والسكاكين يدخلون البيوت ويقتلون من يجدون بداخلها، لا يسمع اطلاق رصاص.
الثامنة مساء: ارخى الليل سدوله لكن السماء بيضاء بسبب مئات القنابل المضيئة، لكن لا احد يجرؤ على الخروج ، القناصة يطلقون النار على كل شيء يتحرك .. فيما بعض الجرحى وصولا الى مستشفى عكا ورووا ان ثمة مجزرة في المخيم .
الجمعة 17 سبتمبر
الخامسة صباحا : عاد بعض النسوة الى مستشفى عكا وكانت شعورهن منفوشة وثيابهن ممزقة بعدما تعرضن للاغتصاب وقتل العدد الاكبر منهن امام السفارة الكويتية على يد مسلحين تثبت لاحقا انهم لبنانيون .. لكن المستشفى المذكور فرغ في لحظات اذ فر من لجأ اليه ولم يبق فيه سوى بعض الاطباء والممرضين وعدد من الجرحى .
الحادية عشرة ظهرا : نادى اثنان من المسلحين قالا انهما كتائبيان على المساعدة النروجية ان سوندي وامروها باخراج كل الاجانب العاملين في مستشفى عكا فتم بالقوة جمع الفريق الطبي الاجنبي بأكمله وهم فرنسيان وفيليبينية ونروجية ومصري وفنلندية وسيرلانكية) فيما اجبر النرويجي على السير حتى مدخل شاتيلا ، رافقه ايضا طبيب الاطفال الفلسطيني سامي الخطيب وبقيت في المستشفى ممرضة نرويجية واخرى استرالية للاهتمام بخمسة اطفال رضع مصابين بالشلل. عند مدخل المخيم كان السكرتير الاول في السفارة النرويجية ينتظرهم فاصطحب معه في السيارة حاملي الجنسية النرويجية .. اطلق المسلحون سراح الجميع باستثناء الطبيب الفلسطيني الخطيب الذي اعيد الى المستشفى حيث أعدم مع طبيب فلسطيني آخر يدعى علي عثمان. ومن الضحايا الاخرين ممرضة فلسطينية في العشرين من العمر هي انتصار اسماعيل التي اغتصبت وقتلت وكذلك الطباخ الفلسطيني الذي قتل مع اخرين فلسطينيين.
وبعد مغادرة الاطباء دخل المسلحون المستشفى وراحوا يستجوبون الجرحى .. اقتيد جريح شاب في الـ 15 من عمره ويدعى مفيد اسعد الى خارج المستشفى حيث اطلقت عليه النار وضرب بالفأس .. في هذه الأثناء كانت المجزرة داخل المخيم مستمرة حيث تمت تصفية عائلات بكامل اقرادها من دون تمييز وكان بينها عائلات لبنانية .. فعائلة المقداد من البقاع فقدت 39 من افرادها، كما وجدت ثلاث نساء دون الثلاثين من العمر مقطعات وقد بقرت بطونهن واخرجت الأجنة ورمي بها بالقرب منهن، تمت بكل وحشية تصفية المحتمين ببعض الملاجئ التي احتشد فيها نحو مئتي شخص، كما جردوا مما في جيوبهم من الساعات والعقود واقراط الاذن وبدأت الجرافات بالعمل، تحمل الجثث وترميها الى مقابر جماعية تم حفرها لهذا الغرض او تهدم مباني لدفن الجثث تحت ركامها .
السبت 18 سبتمبر
الساعة السادسة والدقيقة الثلاثين صباحا: اقتحم افراد الميليشيا مستشفى عكا وامروا الفريق الطبي الاجنبي بالمغادرة .. فاقتيد جميع الاطباء والممرضين الاجانب الى مدخل مخيم شاتيلا، حاول احد التقنيين الفلسطينيين العاملين في المختبر مرافقتهم، لكنه اوقف واقتيد خلف احد الجدران لم سمع صوت طلق ناري بعد فترة .. في اليوم التالي وجدت جثته في المكان نفسه ، يؤكد طبيبان اجنبيان ” رأينا الجرافات تدمر البيوت وتدفن الجثث تحت الركام ” .
السابعة صباحا: بدأ المسلحون افراغ مخيم شاتيلا وحي صبرا ممن بقي فيه من السكان .. في الليلة السابقة حاولت مجموعة من الرجال يائسة الدفاع عن مدخل صبرا واوقفوا عناصر تقديم الميليشيا لكنها ظلت محاولات يائسة لا غير.. كانت مكبرات الصوت تدعو العائلات الى الخروج من منازلها والتجمع في الشارع الرئيسي، فيخرج المدنيون من هذا الحي، يلوحون بالاعلام البيضاء لاعتقادهم انهم يواجهون الجيش الاسرائيلي، ليكتشفوا انهم امام ميليشيات لبنانية تابعة لحزب الكتائب او لقائد ما يسمى جيش لبنان الجنوبي سعد حداد .. اكتشفوا المقابر الجماعية على امتداد الشارع الرئيسي والشوارع المتفرعة عنه .. وفي منتصف الطريق فصلوا الرجال عن النساء والاطفال فبدأت النسوة تولول لكن رشقات عدة اسكتتهن، المسيرة تتقدم لكن من وقت لآخر يتم اقتياد بعض الرجال امام احد الجدران وتطلق النار عليهم .. الجرافات تعمل بضربة واحدة تنهار اعمدة المباني فيسقط الركام ليدفن الجثث تحت ـ قرب السفارة الكويتية ومقر القيادة الاسرائيلية ازيلت البيوت ولم يبق سوى مقبرتين جماعيتين على جانبي الطريق. توافد الصحافيون والمصورون واذ صدمهم رعب المشهد راحوا يلتقطون صور المجزرة الجماعية وأكوام الجثث المنتفخة والتي تصفر وهي تشوى تحت اشعة الشمس المحرقة، وكانت اثار تقطيع الاعضاء والحبال التي قيدتها، والثياب الممزقة وفروات الرؤوس وفقئ العيون تشهد كلها على العنف واعمال التعذيب التي رافقت المجزرة .. حتى الاحصنة اعدمت وكانت رائحة لا تطاق ..
وكان الصحافي آمنون كابليوك قد كتب في جريدة الموند الفرنسية انه “في ثلاثين ساعة انجز الجيش الصهيوني مهمته، وسيطر على بيروت واستيقظ سكان المخيمين على هدير الطائرات المحلقة على ارتفاع منخفض. في هذه الاثناء انصرفت الميليشيات الكتائبية إلى انجاز استعداداتها لاقتحام المخيمين، وطلب الجنرال الصهيوني امير دروري ان يتحقق بنفسه من ان الكتائبيين جاهزون، حيث استقبل رئيس القوات اللبنانية افرام وسأله اذا كان رجاله على استعداد لدخول صبرا وشاتيلا فأجابه المسؤول الكتائبي نعم وحالا .. يضيف كابليوك: تتطابق الشهادات حول هوية القتلة انهم بأكثريتهم الساحقة عناصر من القوات اللبنانية التي تتألف بشكل اساسي من حزب الكتائب. بدأت المذبحة واستمرت 40 ساعة دون انقطاع واتخذت منذ اللحظات الاولى لبدايتها حجما كبيرا ، ففي الساعات الاولى قتل الكتائبيون مئات الاشخاص، كانوا يطلقون النار على من يتحرك وكانوا يحطمون ابواب البيوت ويجهزون على عائلات بكاملها. احيانا لم يكتف القتلة بالقتل بل كانوا يقطعون ضحاياهم قبل الاجهاز عليهم ويحمون رؤوس الاطفال والرضع على الجدران، وايانا كانوا يتركون واحدا من افراد العائلة على قيد الحياة ويقتلون الآخرين امام عينيه ليذهب ويخبر بما شاهد وعاش.
اثار الكشف عن المجزرة ضجة في انحاء العالم وفي اسرائيل ، مما دفع حكومة مناحيم بيجن الى تشكيل لجنة تحقيق خاصة عرفت بلجنة كهان. وخلصت اللجنة بعد شهور الى ان وزير الدفاع ارييل شارون المعروف بمسؤوليته المباشرة عن مجازر كثيرة مسؤول مباشرة عن صبرا وشاتيلا لانه وجه الميليشيات اللبنانية.. واضطر شارون للاستقالة من منصبه وتوارى عن المسرح السياسي. لكن المجزرة لم تنس، اذ بثت هيئة الاذاعة البريطانية في يونيو 2001 برنامجا تناول احتمال محاكمة شارون كمجرم حرب .. قام محامون متضامنون مع ضحايا المجزرة بتحرك في بلجيكا .. ورفعت ناجية من الجزرة تدعى يعاد المرعي واسر 28 من الضحايا امام محاكم بلجيكا التي باشرت التحقيق في القضية وسط ضغوط اعلامية على المتهمين مما دفع الوزير اللبناني السابق ايلي حبيقة الى ابداء الاستعداد للادلاء بشهادته امام المحققين البلجيكيين بعد ان اعلن ان لديه من المعطيات ما سيغير مسار الرواية التي اشاعتها تحقيقات لجنة كهان. لكن حبيقة ما لبث ان اغتيل مع اربعة من مرافقيه في يناير 2002 في عملية تحمل على الارجح بصمات الاستخبارات الاسرائيلية، وتعرضت المحاكمة للاجهاض بعد ضغوط اسرائيلية واميركية على بلجيكا مما دفع الاخيرة لاحقا لتعديل قانون الاختصاص العالمي.
/// من قصيدة للشاعر محمود درويش في ذكرى المجزرة :
رحل الرجال الى الرحيل
والحرب نامت ليلتين صغيرتين
وقدمت بيروت طاعتها وصارت عاصمة
ليل طويل يرصد الاحلام في صبرا
وصبرا نائمة
صبرا بقايا الكف في جسد قتيل
ودعت فرسانها وزمانها
واستسلمت للنوم من تعب
ومن عرب رموها خلفهم
صبرا وما ينسى الجنود الراحلون من الجليل
لا تشتري ولا تبيع الا صمتها
من اجل ورد للضفيرة
صبرا تغني نصفها المفقود بين البحر والحرب الاخيرة
لم ترحلون وتتركون نساءكم في بطن ليل من حديد ؟
لم ترحلون وتعلقون مساءكم فوق المخيم والنشيد ؟
صبرا تغطي صدرها العاري باغنية الوداع
وتعد كفيها وتخطئ حين لا تجد الذراع
كم مرة ستسافرون
وإلى متى ستسافرون ولأي حلم؟ واذا رجعتم ذات يوم
فلأي منفى ترجعون
لأي منفى ترجعون؟
صبرا تمزق صدرها المكشوف
كم مرة تتفتح الزهرة كم مرة ستسافر الثورة ؟ صبرا تخاف الليل
تسنده لركبتها
تغطيه بكحل عيونها
تبكي لتلهيه
رحلوا وما قالوا شيئا عن العودة
ذبلوا وما مالوا عن جمرة الوردة
عادوا وما عادوا لبداية الرحلة
والعمر اولاد هربوا من القبلة
لا ليس لي منفى لأقول لي وطن
الله يا زمن
/// يوم البدء المجيد
في السادس عشر من سبتمبر 1982 ايضا، اي في يوم مجزرة صبرا وشاتيلا اعلنت المقاومة اللبنانية بكافة فصائلها انطلاقتها لتحرير جنوب لبنان والبقاع الغربي من الدنس الاسرائيلي .. اما العملية التي كانت المؤشر على هذا الاعلان فتحكيها القصة التالية : ظن الاسرائيلي انه في نزهة في بيروت .. تلك العاصمة العصية .. اطل في شارع الحمرا وسط العاصمة جيب عسكري اسرائيلي في مشهد يستحيل ان يظل مألوفا وهو غير ذلك .. توقف امام مقهى نزل منه ضابط وثلاثة جنود .. طلبوا فنجان قهوة ثم ارادوا الدفع بالشيكل فرفض النادل الا بالعملة اللبنانية، وفيما هم يتحاورون، كان هنالك شاب بثياب انيقة يسير باتجاه المقهى بهدوء واتزان، كانت خطواته اعلانا كبيرا سيبدأ بعد لحظات .. لم يكن يبدو عليه الانفعال او الشكوى من اي أمر .. ها هو يقترب من المقهى والحوار حول الدفع بالعملة اللبنانية قائم، وما ان توارى النادل الى داخل المقهى حتى كان الشاب على مسافة قصيرة من طاولة الاسرائيليين، وفجاة اخذ مسدسه من وسطه واطلق النار عليهم جميعا فأرداهم .. واليوم هنالك يافطة وضعت في المكان ذاته تؤرخ للعملية. بعد تلك الحادثة وقد لحقتها جملة احداث مشابهة، كان لا بد من هروب الاسرائيلي، فقد بدأت سياراته العسكرية تلف في شوارع بيروت وهي تنده بالميكروفونات ” يا اهالي بيروت لاتطلقوا النار على الجيش الاسرائيلي احنا بكرة منسحبين”. وبالفعل انسحبوا .. سجل ذلك اليوم البدء بالانطلاقة الميمونة للمقاومة التي انطلقت في كل مكان يتواجد فيه الاسرائيلي بحيث ان عشرات العمليات العسكرية اصابت مواقعه وقتلت العديد من افراده.
كانت جبهة المقاومة اللبنانية مؤلفة من احزاب شتى، فكان الشيوعي والسوري القومي الاجتماعي، والناصري، والبعثي، وغيرهم، وكان حزب الله في بداية تجلياته، اي في اللحظات الاولى من بداية عملياته، اي انه لم يمض على تأسيسه سوى ايام قليلة .
تكثفت العمليات، صارت على مدار الساعة، وحين لم يعد يأمن من تمدد جنوده، انسحب الاسرائيلي اولا من التلال المحيطة ببيروت الى منطقة صيدا وصاعدا. فلاحقته العمليات وازدادت كثافة، بل تطورت الى عمليات استشهادية لاحقته حتى مدينة صور جنوب لبنان حين هاجم مقاتل من حزب الله بسيارته المحملة بالمتفجرات مبنى الاستخبارات العسكرية الاسرائيلي فتهدم على الفور وقتل يومها خيرة ضباط المخابرات الاسرائيليين، وحين تفقد شارون الركام كان وجهه ممتقعا، لقد عرف الآن انه تورط في ساحة لن تهدأ اطلاقا، وان ما قاله يوما الرئيس الراحل حافظ الاسد من ان الانتصار فخ للمنتصر تحول الى رعب .. وذات يوم اخبرنا احد المقربين من تلك المقاومات ان الاسرائيلي قرر الانسحاب من مدينة صيدا بعدما اعياه رد فعل المقاوم في الجنوب خصوصا، وكيف خرجت النسوة في قرى ” معركة ” و ” برج رحال ” و” العباسية ” وغيرها لتتصدر المقاومين، حيث كانت ترمي السيارات العسكرية بالزيت المغلي وبالحجارة.
جلست على الجسر الذي يربط صيدا ببيروت وكان معي المصور .. بعد ساعات من الانتظار تحركت الدبابات والاليات، فركضنا باتجاهها لنرى الحقيقة في غاية وضوحها .. فجأة نزل من احدى الاليات ضابط عسكري كبير بدأ حوارا مع الاعلاميين الكثر الذين تواجدوا لحظة الانسحاب .. كانت كل الاسئلة التي وجهت اليه ” لماذا تنسحبون” وكان رده ان مهمتنا انتهت، لكن اصواتا عديدة رفضت كلامه واسمعته ان انسحابكم انما بفعل عدم قدرتكم على البقاء نتيجة اعمال المقاومة.
ومرت الايام والسنوات، ثمانية عشر عاما من العمل المقاوم لم يهدأ .. كان دائم الفعل، وكان القرار بيده، لم يستطع الاسرائيلي، ولا ما سمي بعدها ” جيش لبنان الجنوبي” الذي سيطر بواسطة الجيش الاسرائيلي على رقعة من جنوب لبنان من الصمود امام الضربات اليومية للمقاومة التي قدمت شهداء بالجملة، لكن حسابات الاوطان اكبر من ان تترجم فقط دماء، وان كانت دماء المقاومين تغسل عار الاحتلال وتهز كيانه الذي صار يتآكل يوما بعد يوم، ولم يستطع لا هو ولا القوات العميلة له ان ينهي الوجود المقاوم الذي ازداد ضراوة بل تحول إلى عمليات استراتيجية كبرى شكلت تحديا وجوديا للجيش الاسرائيلي وعملائه. ورغم ارتكاب اسرائيل حروبا ومجازر، ظلت المقاومة ظاهرة وعلى ازدياد، وكانت قد طالت رموزا سواء في المخابرات العسكرية او في قيادات ” الجيش الجنوبي”.
كانت الحوارات تتصاعد في اسرائيل وتظهر على شاشاتها التلفزيونية، وقد تسنى لي ان ارى واحدة منها حين كان احد علماء الاجتماع يتحدث عما ستسببه المقاومة في المجتمع الاسرائيلي حيث انهى حديثه بالقول انه لن يبقى في اسرائيل من سيطفئ انوار المطار، بمعنى انها ستشهد رحيلا جماعيا لا يبقى بعدها من يخبر. ونتيجة لهذه الاحتدامات وازدياد الضغط العسكري المقاوم، انسحب الاسرائيلي نهائيا من الحزام الامني، رحل بين ليلة وضحاها، لم يترك وراءه حتى جماعة “الجيش الجنوبي” الذين هربوا معه .. في الخامس والعشرين من مايو عام 2000 كان قد مضى ثمانية عشر عاما على الاجتياح المشؤوم للبنان، اغلقت البوابات الاسرائيلي التي انطلق منها الجيش الذي هزمته المقاومة. لكن هذا الانسحاب لم يعن المقاومة التي ذهبت الى الفور الى استعداد لمعارك مع اسرائيل، وقد علمتها احداث المنطقة ان هذا الكيان لا يمكنه السكوت على هزيمة وهو سيثأر لها في اي وقت.
في منتصف العام 2006 وقع ما كان متوقعا .. هاجمت اسرائيل لبنان، ضربت ضاحيته الجنوبية معقل حزب الله وكذلك مناطق الجنوب. دمرت طائراتها وآلياتها بلدانا وقرى، لكنها وقعت في مذابح طالت آلياتها في اكثر من مكان ولم يستطع جيشها التقدم مترا واحدا في مناطق عدة .. عد ذلك اكبر هزيمة في حياتها، بل اضيف الى هزيمته التي سبقت عام 2000 .. اما المقاومة الاسلامية “حزب الله ” فقد تحولت الى مرجعية عسكرية كبرى على المستوى العربي والعالمي .. صار هذا الحزب رقما صعبا في المنطقة والعالم، فحاولت اسرائيل وبعض الدول توريطه في الداخل اللبناني من اجل اضعافه، لكنه لم يقع في ذلك الفخ .. بل ما ان لاحت له التفاتة عربية حتى كان يرسل قواته الى سوريا مشاركا في معاركها الضارية وحاصدا نتائج مهمة وخصوصا في معركة القصير التي تشهد له. وها هو في اكثر من موقع في سوريا، لقد تحول الى حزب قومي، حيث ارسل قواته ايضا الى العراق، يدرب عناصر بالجملة، ويشارك في معارك استراتيجية الى جانب الجيش العراقي.
لا نقول ان بعض احزاب الحركة الوطنية اللبنانية قد انكفأت، لكن حزب الله سيطر تماما على الواقع المقاوم، فكان ان انسحبت الاحزاب الأخرى من المعركة جنوب لبنان بعدما قدمت شهداء واسرى.
في السادس عشر من سبتمبر عام 1982، حدث واحد بشقين احدهما مؤلم وهو مجزرة صبرا وشاتيلا التي تظل ذكراها قامئة كل عام وتتكشف من خلالها معلومات جديدة يراد لها ان تلعب دوار في المستقبل في اية عملية قانونية.
واما الشق الآخر فكان ورديا، مهما للغاية، حيث اسس الى ظاهرة لبنانية عربية كبر تأثيرها كثيرا، مقابل المحاولات الهائلة التي تشن عليها بأشكال مختلفة من أجل وأدها. لكنها عملقت، صارت رقما صعبا، بعدما ادخلت مفاهيم مختلفة على الحياة النضالية العربية. ولهذا السبب اخترعت الامبريالية الاميركية والكيان الصهيوني وبعض الغرب من عمليات تخريب للبنى العربية من اجل القضاء على ظاهرة الماقومة وكل ارتباطاتها بقوى داعمة لها . وقد لا نغالي القول، ان ظواهر مثل ” داعش ” و ” النصرة ” ومشتقاتها ، انما هدفها النهائي ان تصل الى تخريب البنى العربية من اجل الوصول الى هدف واحد يعني كيفية القضاء على حزب الله، الذي اصبح مدرسة تدرس في الكليات العسكرية، وخاصة اسلوبه المعروف في ما يسمى حروب الانفاق التي اعتمدت في غزة ايضا ولعبت دورا مهما في مكاسب غزاوية.

إلى الأعلى