الجمعة 23 أغسطس 2019 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب يحارب على كل الجبهات

ترامب يحارب على كل الجبهات

د.أسامة نورالدين

على خلاف كل رؤساء الولايات المتحدة الأميركية وكذلك إداراتها الجمهورية والديمقراطية يتعامل الرئيس ترامب بشكل مباشر مع ملفات السياسة الخارجية والداخلية، متجاهلا الآليات والطرق الدبلوماسية المتعارف عليها، ومتخليا عن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، والتي تحكم السياسة الخارجية لمختلف دول العالم بشكل عام، معتقدا أنه بذلك يحقق ما لم يحققه غيره من الرؤساء، معتمدا على قوة الولايات المتحدة ونفوذها في العالم، وهو لذلك يصر على فتح العديد من الجبهات في وقت واحد، دونما أدنى اعتبار لردود الفعل الشعبية ولا حتى الرسمية على تلك السياسات التي أقل ما توصف به أنها سياسات مستفزة وستأتي بنتائج عكسية على المصالح الأميركية.
فإذا نظرنا إلى منطقة الشرق الأوسط، سنلحظ أن الإدارة الأميركية الحالية وصلت في عدائها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى نقطة اللاعودة، ضاربة عرض الحائط بكل التفاهمات التي نجحت الإدارة السابقة بقيادة الرئيس باراك أوباما في التوصل إليها بعد عقود من المفاوضات مع طهران، لتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، ومنع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية، ويحدث ذلك على غير إرادة المجتمع الدولي بما في ذلك شركاء الولايات المتحدة أنفسهم وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن روسيا والصين وتركيا التي تربطها علاقات استراتيجية مع إيران ويعتمدون في صناعاتهم على جزء كبير من النفط الإيراني.
ما يعني أن ترامب إما لا يعي خطورة سياساته الخارجية، أو أنه لا يعبأ بنتائجها السلبية على المصالح الأميركية والعالمية على المديين القريب والبعيد، فالرجل يتحرك في ملفات السياسة الخارجية وكأن الولايات المتحدة لا تزال القطب الأوحد والقوة العظمي التي لا تزال تسيطر على صناعة القرار في العالم، متجاهلا التحولات الاستراتيجية التي شهدها العالم خلال الحقبة الأخيرة والتي أدت لتراجع ملحوظ في النفوذ الأميركي في العديد من مناطق العالم بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد تزايدا في النفوذ الروسي والصيني لم يسبق له مثيل.
ولا يختلف الأمر فيما يتعلق بإيران عما يدور في أروقة السياسة الخارجية الأميركية من مداولات بشأن ما يعرف بـ”صفقة القرن”، تلك الصفقة المشبوهة التي يتم الإعداد لها منذ فترة من أجل القضاء على ما تبقى من القضية الفلسطينية، وتهيئة الأجواء من أجل إدماج إسرائيل في المنطقة بعد تطبيع العلاقات العربية معها، وبسط سيطرتها على مناطق النزاع العربية بما في ذلك المدينة المقدسة والجولان اللتان اعتبرتهما الولايات المتحدة مناطق نفوذ إسرائيلية في مخالفة صريحة للأعراف والمواثيق الدولية.
فالرئيس ترامب وإدارته الحالية يتعاملون مع الشعب الفلسطيني وكأنه أقلية لا حقوق مشروعة لهم، وأن عليهم أن يقبلوا بما يعرض عليهم من اتفاقات تقضي على حلمهم المشروع في الحصول على دولة مستقلة ذات سيادة على حدود عام 1967، ليس هذا فحسب، بل وقطع جزء كبير من أراضيهم لصالح المستوطنات الصهيونية التي تعجز الولايات المتحدة عن وقفها بالرغم من مخالفتها للقوانين الدولية.
ويعتمد ترامب في ذلك على قوة الولايات المتحدة وحالة الضعف التي تعيشها المنطقة العربية التي لا تزال تعيش مخاض “الربيع العربي” وتنشغل بصراعات داخلية قد تقضي على وجودها ومستقبلها في المنطقة، إذ يبدو أن “صفقة القرن” لن تكتفي بإقامة دولة إسرائيل الكبرى، وإنما تستهدف كذلك استكمال مخططات تقسيم وتفتيت المنطقة، بحيث تصبح إسرائيل الدولة الكبرى صاحبة النفوذ والكلمة العليا فيها.
ولا يكتفي ترامب بتلك المعارك الخارجية، بل ويمضي قدما في معاركه الداخلية مع المؤسسات والأحزاب الرافضة لسياساته وعلى رأسها الحزب الديمقراطي صاحب الأغلبية في الكونجرس الأميركي، زاعما بأنه حقق للشعب الأميركي ما لم يحققه غيره من رؤساء الولايات المتحدة، ومتهما منافسيه بالعجز وعدم القدرة على منافسته في سباق الرئاسة القادم.
وفي الواقع أن ترامب ـ وإن نجح في تلك المعارك التي يخوضها معتمدا على قوته وقوة الولايات المتحدة ونفوذها في العالم ـ إلا أن ذلك النجاح مؤقت ولن يدوم طويلا؛ لأنه محكوم بظروف خاصة سرعان ما ستتغير وستتغير معها خريطة النفوذ في المنطقة والعالم، وهو ما سيدخل أميركا والعالم في أتون صراعات قد لا تنتهي بسبب تلك السياسات غير المنضبطة، والتي من شأنها أن تشعل الصراع في مناطق مختلفة من العالم، وقد تكون بداية النهاية للولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة والعالم.

إلى الأعلى