الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مبادرة الحزام والطريق.. طريق الحرير تبصر النور أخيرا

مبادرة الحزام والطريق.. طريق الحرير تبصر النور أخيرا

مسعود بن سعيد الحضرمي

ما إن ذكرت التجارة حتى يذكر معها كيف أن هذه الحرفة كانت وما زالت تحتل مكانة بارزة بين الحرف التي ابتدعها الإنسان منذ بدء محاولاته في تحسين واقع حياته والإيفاء بالتزاماته واحتياجاته المعيشية، فحيث كان يحل الإنسان ويبني حضارة كانت تبرز التجارة ووسائلها وطرقها، ومع التنوع الجغرافي واختلاف الظروف المناخية حول العالم، وجد الإنسان احتياجاته في رقعة من الأرض بشكل وفير وفي رقعة أخرى لم تكن مواردها تفي بكل ما يبحث عنه، فابتدع التجارة، وتبادل بواسطتها السلع ونقلها بين مكانين، سواء كانت في محيط داخلي متقارب أو على امتداد المناطق الجغرافية حول العالم، سبيله في ذلك إنشاء الطرق التجارية واستكشاف الممرات التي استطاعت أن تربط بين حضارات العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.
وفي ظل ما شهده العالم من تنافس شديد الوتيرة على مصادر الطاقة النفطية وما أحدثته من أزمات وما خلقته من صراعات، تضاءل الاتجاه نحو إعادة تنشيط تلك الممرات التجارية التي يمكن وصفها بالممرات المفضية للسلام والازدهار الاقتصادي دون الاعتماد على مصدر واحد لمصادر الدخول القومية وهو النفط، فهناك سلع وبضائع ما إن تم توفيرها ونقلها بآليات مدروسة ووفق إطار تعاون وعمل دولي لا شك بأنها ستسهم في إعادة التواصل الحضاري بين الشعوب والأمم، وليس أهم شأنا ولا أعظم مكانة من تلك التي حظي بها طريق القوافل القديم “طريق الحرير”، الذي لم يكن فقط لتبادل السلع والبضائع وإنما لنقل الثقافات والحضارات، وانتشار الأديان، والتنوع في التراكيب السكانية والاختلاط بين الشعوب التي نقلت بتجارتها كل تلك القيم الإنسانية عبر القارات والحدود، فبنيت على أطرافه وفي المدن التي مر بها أعظم الحضارات في العالم، واستفادت من السير به معظم شعوب العالم، وخصوصا في آسيا الوسطى وصولا إلى العالم الإسلامي وأوروبا وإفريقيا.
وللقارئ لهذه المقالة أن يعرف سبب تسميته بطريق الحرير، فقبل خمسة آلاف سنة، بدأ الحرير يأخذ طريقه من الصين التي اشتهرت بصناعته سنة 3000 قبل الميلاد وما ارتبط بهذه الصناعة من فنون مبهرة ابتدعها الصينيون لإتقان صنعته وتطريزه، إلى أرجاء العالم، ثم ما لبث انتقاله من الصين وأقاصي آسيا، إلى أواسط آسيا وشمال إفريقيا ووسط أوروبا؛ وقد اتخذ مسارات محددة، عرفت منذ الزمن القديم باسم طريق الحرير، وهو خط المواصلات البرية القديمة الممتد من الصين وعبر مناطق غرب وشمال الصين وآسيا كلها إلى المناطق القريبة من إفريقيا وأوروبا، وبواسطة هذا الطريق، كانت تجري التبادلات الواسعة النطاق من حيث السياسة والاقتصاد والثقافة بين مختلف المناطق والقوميات.
تكون طريق الحرير من شبكة من الطرق الفرعية التي تصب في طرق أكبر أو بالأحرى في طريقين كبيرتين، إحداهما شمالية (صيفية) والأخرى شتوية، والذي يجمع بين هذه السبل والمسارات جميعا هو أنها مسالك للقوافل المتجهة من الشرق إلى جهة الغرب، لتمر في طريقها ببلدان ما لبثت أن ازدهرت مع ازدهار هذا الطريق التجاري الأكثر شهرة في العالم القديم. وقد كان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة كالحضارة المصرية والصينية والهندية والرومانية، وساهم هذا الطريق في التقريب بين هذه الحضارات المختلفة والتواصل فيما بينها، وهو الأمر الذي أدى إلى التفاعل والتمازج الحضاري الممتدة اثاره إلى عصرنا الحالي.
طريق الحرير لم تقتصر على تجارة الحرير ومصنوعاته، فعبرها انتقل البارود فعرفت الأمم الحروب المحتدمة المدمرة، وانتقل عبرها الورق فحدثت طفرة كبرى في تراث الإنسانية مع النشاط التدويني الواسع ورقيا، وانتقلت عبرها أنماط من النظم الاجتماعية، غير أن النشاط الاقتصادي ظل دوما هو العامل الأهم، والأوضح أثرا، ويكفي لبيان أثره وأهميته، أن طريق الحرير أدت إلى تراكم المخزون العالمي للذهب في الصين، حتى أنه بحلول القرن العاشر الميلادي، صارت الصين وحدها تمتلك من مخزون الذهب أضعاف ما تمتلكه الدول الأوروبية مجتمعة، غير أن اشتعال الحروب المغولية ـ الإسلامية بقلب آسيا وتوجه النشاط التجاري العالمي للبحث عن معابر بحرية تكون أكثر أمنا من الطرق البرية قد أدى إلى اندثار مجد طريق الحرير، خصوصا مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح وصولا إلى فتح قناة السويس المصرية، فضلا عن الظروف الأمنية التي أحاطت بالقوافل المحملة بالبضائع في هذه الطريق وبالأخص الذهب، حيث لم يسلم معظمها من السلب والنهب من قطاع الطرق في ذلك الوقت.
انطفأت جذوة طريق الحرير قرونا عديدة، حتى أعاد إحياءها مشروع تبنته الصين في إطار جهودها لتحرير التجارة العالمية وتعزيز النمو الاقتصادي، وإعادة ربط قارات العالم من خلال مشروع ومبادرة الحزام والطريق، الذي بدأت الصين تعد له منذ عام 2013، وها هي اليوم تشهد انعقاد المنتدى العالمي لمبادرة الحزام والطريق، أملا في تجديد خطوط التجارة في هذه الطريق العريقة عراقة الحضارات القديمة، ولمواجهة مشاريع الهيمنة التي تطمح لتنفيذها بعض القوى الدولية والتي أخذت تشكك في مبادرات التجارة الحرة العالمية الحالية، والجميع يدرك الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة الأميركية في هذا الاتجاه. ولقد أصبح الحلم قاب قوسين أو أدنى من أن يتحقق، خصوصا في ظل الأشواط التي قطعتها الصين مع دول عديدة مثل روسيا وباكستان ومصر والإمارات واليمن وتركيا وبريطانيا واليونان من خلال اتفاقيات مشتركة، سواء للتجارة أو لبناء سكك حديدية للقطارات الناقلة للبضائع عبر طريق الحرير الجديدة أو حتى عبر ترحيب بعض تلك الدول بالمبادرة الصينية والاستعداد للتعاون من أجل إنفاذها إلى حيز الوجود الفعلي. ونأمل أن تكتمل الدائرة بتمثيل كل من العراق وسوريا في هذه المبادرة رغم غيابهما عنها خلال المنتدى، فطريق الحرير لا يمكن أن تكون طريقا ناجحة وفاعلة محققة للطموح بالانتعاش مجددا دون أن تمر ببغداد ودمشق وتدمر.
وبعيدا عن القلق الذي تظهره بعض الدول من إعادة إحياء طريق الحرير، أو امتناع بعضها عن التوقيع أو الانضمام للمبادرة، فإنه مشروع يستحق أن تتضافر كل الجهود في الدول العربية تحديدا لإنجاحه فهو السبيل الوحيد الآن المتاح أمامها للتحرر من التبعية التجارية والاقتصادية، وهو تجديد للتواصل بين الحضارات والثقافات لعله يسهم في رأب الصدع وإصلاح الشرخ الذي بات واضحا بين الديانات الإسلامية والمسيحية بسبب موجات العنف باسم الدين التي تشهدها مناطق واسعة في العالم، فكما كان طريق الحرير رافدا لدخول الشعوب في الإسلام قديما، يجب أن يتجدد العهد به ليكون مجددا لروح الإسلام دين الاعتدال وعمارة الأرض والحضارة الخالدة.

إلى الأعلى