الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / كل شيء مؤجل لما بعد رمضان

كل شيء مؤجل لما بعد رمضان

محمد عبد الصادق

أخيرا وبعد عقود من الانتظار, نجحنا في إجبار الغرب على تفهم ثقافتنا واحترام عقيدتنا, والتعرف عن قرب على عاداتنا وتقاليدنا, أجبرنا أميركا أكبر دولة في العالم, على احترام مشاعرنا الدينية, وخرج علينا جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره السياسي في شهر شعبان, ليقرر صاغرا تأجيل إعلان تفاصيل “صفقة القرن” لما بعد شهر رمضان؛ احتراما لمشاعر العرب والمسلمين وعدم “التنكيد” على الصائمين قبل أن يحتفلوا بعيد الفطر السعيد.
لطالما شكونا في الماضي من أننا نعرف الكثير عن حضارة وثقافة الغرب؛ من خلال الحقب الاستعمارية في القرون الماضية, وحرص الأجيال الجديدة على تلقف ما ينتجه الغرب من أفلام سينمائية ومسلسلات تليفزيونية, وموسيقى وغناء, وكتب ومؤلفات أدبية, واستهلاك ما ينتجه من أجهزة وسلع ووجبات سريعة تقدمها المتاجر والمطاعم الغربية المنتشرة في معظم بلادنا العربية, وارتداء الملابس والأحذية التي تحمل علامات أوروبية وأميركية.
في الوقت الذي كان الغرب حتى وقت قريب, يجهل عنا الكثير من الحقائق والمعلومات, ولكن يبدو أنه تحت تأثير هجوم البرجين في الـ11 من سبتمبر 2001م, بدأ الغرب يهتم بدراسة كل ما هو عربي وإسلامي, مع ظهور مصطلح صراع الحضارات أو ربما من منطلق مبدأ “اعرف عدوك”, ويبدو أنه عرف من خلال هذه الدراسات أننا شعوب لا تعمل في شهر رمضان, وأن الاحتفال بالأعياد والمناسبات التي لا تنتهي على مدار العام؛ معناه توقف الزمن والدخول في حالة من البيات الشتوي أو الصيفي.
تحول شهر رمضان في السنوات الأخيرة؛ من شهر للعبادة والعمل والإنجاز والانتصارات والفتوحات إلى شهر للكسل والاستهلاك والسهر والاستجمام؛ حيث يتوقف فيه دولاب العمل الحكومي والخاص تقريبا, وترجأ كافة المشاريع والأعمال لما بعد الشهر المبارك.
فإذا كانت لديك مصلحة أو معاملة مع جهة حكومية فسارع خلال هذه الأيام المتبقية قبل قدوم الشهر الفضيل ـ بإنهائها ـ وإلا عليك الانتظار لمنتصف شهر يونيو, وربما تصطدم بإجازات الصيف وتنتظر حتى أكتوبر أو نوفمبر, حتى ينتهي الصيف ويتحسن الطقس ويعود الموظفون من إجازاتهم السنوية.
المعضلة أن موعد قدوم شهر رمضان يتحرك كل عام 11 يوما تقريبا, ويحل هذا العام في بداية شهر مايو, وأكثر المتضررين من ذلك هم أبناؤنا الطلاب, فلا دراسة ولا تحصيل في رمضان, فلا المعلم قادر على الشرح في نهار رمضان فهو في الغالب سهران حتى صلاة الفجر, ويذهب إلى المدرسة “جسدا بلا روح” ومع ارتفاع الحرارة ومعاناته من الجوع والعطش وقلة النوم, يكفيه أن يتواجد داخل جدران المدرسة ساعة أو ساعتين يقضيهما في التأمل وتلاوة القرآن, وقل .. نفس الشيء عن الطلاب؛ فأغلبهم سهران لما بعد الفجر أمام شاشات التلفاز يتابع البرامج والمسلسلات التي يتضاعف عددها في رمضان؛ أو مشارك في دورة كروية رمضانية, تمتد مبارياتها حتى موعد السحور.
وإذا كنت مرشحا لدورة تدريبية, أو تنوي مناقشة أطروحتك العلمية للحصول على الماجستير أو الدكتوراه؛ فحاول جاهدا اللحاق بالدورة الأخيرة أو استجداء لجنة المناقشة حتى تلتئم قبل أن يبدأ الشهر الفضيل, لأن الدورات التدريبية نادرا ما تعقد في رمضان, وكذلك النشاط الأكاديمي واللجان العلمية غالبا تؤجل لما بعد عيد الفطر السعيد.
لا أدري سبب التحول الذي طرأ على سلوكنا في شهر رمضان خلال السنوات الأخيرة, ربما السبب ارتباطه خلال العشرين سنة الأخيرة بفصل الصيف والإجازات, أو ربما زيادة القدرة الشرائية لدى شرائح عريضة من المجتمع وتسلط الأنماط الاستهلاكية الاستفزازية على تصرفاتنا, وحصار الحملات الدعائية في وسائل الإعلام بمختلف أنواعها ـ انضم إليها مؤخرا منصات التواصل الاجتماعي “تويتر وفيس بوك وإنستجرام” ـ التي تستعر في رمضان, هي التي جعلتنا نحول أيام وليالي رمضان إلى منافسات وسباقات في إعداد مآدب متخمة بشتى أصناف الطعام والشراب في الإفطار والسحور ـ يلقى معظمها في سلال المهملات.
وبعد الإفطار تكتظ المقاهي والمطاعم والخيام الرمضانية بالصائمين الباحثين عن التسلية والترفيه حتى مطلع الفجر, مستغلين رخصة الصيام عن العمل في نهار رمضان, وأن كل شيء مؤجل لما بعد رمضان.

إلى الأعلى