الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / راقب نذر الفوضى

راقب نذر الفوضى

أ.د. محمد الدعمي

إن غاية ما يخشاه أولو الأمر وأصحاب الرأي عبر إقليمنا الملتهب هو طوفان الفوضى العمياء التي قد تلتهم الأخضر واليابس، بل قد تأتي على الحدود السياسية القائمة درجة تداخل القوى المتعامية الفاعلة على نحو دموي لا يمكن لأحد أن ينجو منه. هذه رؤيا مرعبة بالنسبة للدول الأكثر استقرارًا، خاصة وأن حكوماتها تدرك جيدًا أن استقرارها، المرتكن إلى ثروات طبيعية تمكنها اليوم من أخذ زمام المبادرة على المستوى الإقليمي والعالمي، إنما هو استقرار على المحك الآن.
نذر الفوضى تتجسد متراكمة اليوم في الأفق عبر ما نلاحظه من تحالفات وبروز تكتلات دولية تحمل شعارات متشابهة ولكن قابلة لأنواع التأويل والتبديل. وقد قدم الإعلامي الأميركي المعروف بنرجسيته، أورايلي، رؤية سوداوية للفوضى في الإقليم التي يبشر بها عندما راح يقترح على الإدارة الأميركية أن تعمد إلى إدارة الصراع على نحو يضمن نقل المواجهة ضد الإرهاب إلى الشرق الأوسط، طريقًا مثلى لعدم السماح له بالانتقال إلى أميركا والعالم الغربي عامة. بمعنى أنه يؤكد على أن تركيز المواجهات والارتطامات العسكرية داخل إقليمنا الملتهب إنما هي الطريقة المثلى للنأي بأميركا والعالم الغربي بعيدًا عن أنواع القوى الإرهابية الفاعلة في الإقليم الآن، من القاعدة إلى “خراسان” عبر داعش وسواها من المنظمات الإرهابية التي لم تعد، حسب رأيه، بحاجة للمؤيدين والمنظمين إلى صفوفها من بين ملايين الشبيبة والنشء المسلم اليائس والمتهور والمستقتل الذي لا يحتاج لسوى الدعوة للانضمام إلى هذا النوع من المنظمات الإرهابية التي لا توفر له الغذاء والسكن والزواج فقط، بل وتوفر له الفائض من المال المستخرج مما يصل إلى هذه المنظمات من تبرعات وثروات الأراضي من التي تسيطر عليها، خاصة تلك البقاع الغنية بالنفط، خاصة وأن التعطش العالمي للنفط يضمن تسويقه عبر عشرات، بل ومئات القنوات الخفية. وخلاصة الكلام هي أن المطلوب أن تستعر المعركة على أراضي الشرق الأوسط بين شعوبه ودوله، طريقًا للنأي الغربي بالذات عن ألسنة الحريق.
بل إن الأخطر في هذه الرؤيا السوداء المبيتة للشرق الأوسط يتجسد في أن تضطلع دول الشرق الأوسط الغنية بالبترول بتمويل الحملة أعلاه، كي تتداخل الأوراق ويتحمل الإقليم مصائبه وحده، بعيدًا عن العالم الغربي. وبذلك تبقى مجمعات صناعات الأسلحة الثقيلة في العالم الغربي تدور بالأموال الآتية من مشتري تلك الأسلحة. وهكذا يتم تدوير البترودولار دورة كاملة ليعود إلى من يشتري النفط على نحو ملتوِ.
بل والأنكى، هو أن يقترح أورايلي أن تقوم الولايات المتحدة بتشكيل وقيادة جيش عرمرم من المرتزقة، ومن جميع أنحاء العالم، خاصة الدول الفقيرة للدخول في هذه المعركة ضد الإرهاب في الشرق الأوسط!
وهكذا تتبلور فكرة “تدويل” محاربة الإرهاب، ليس بالتكتلات والتحالفات فحسب، ولكن كذلك بنمط من الاستقطاب المالي، المتاح في الدول الغنية بالبترول، كي تضطلع بعملية تمويل هذا الجيش من المرتزقة الذين قد يأتون من أفقر بقاع العالم، بحثًا عن المال وتحقيق الأحلام، بلا مبادئ ولا عقيدة ولا أهداف إنسانية سامية.
إن غاية ما يخشاه المرء هو استدراج دول الإقليم الغنية إلى حرب ضروس، لا تبقي ولا تذر، بهدف حماية العالم الغربي بدعوى حماية الأنظمة الحكومية القائمة. هذه الخطة الجهنمية تذكر المرء بما استدرجت إليه كل من دولتي العراق وإيران تحت عنوان “الاحتواء المزدوج” لاحتواء القوتين الرئيسيتين في الإقليم آنذاك، للجمهما، وتجنبًا لتوسع الصراع خارجهما.

إلى الأعلى