الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تقنياتُ السَّرد في مجموعة “حْبيب رمان” لبشرى خلفان

تقنياتُ السَّرد في مجموعة “حْبيب رمان” لبشرى خلفان

” حْبيب رمان ” مجموعة قصصية للكاتبة المبدعة بشرى خلفان صدرت عن مؤسسة الانتشار العربي بلبنان بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء واحتوت المجموعة على 12 قصة قصيرة كلها مغرية للغوص في تقنياتها السردية، لكنني دائما شغوف بالقراءة لما هو مثير ومدهش، ولهذا نقرأ معك عزيزي القارئ قصة العنوان نفسه ” حبيب رمان” من بين القصص التي جاءت في ترتيبها كالآتي: (ريشة الطاووس، أرنب العتمة، رجل الشرفة، كوخ بمحاذاة البحر، الأخوان غريم وفساتين الأميرة، الكرسي، الديناصور، انطفاء، سقوط، سراج الأعمى، حْبيب رمان، قض الملح) وقد أهدت الكاتبة المجموعة كاملة إلى روح جدتها عزة بنت سعود، والقصة المرتبطة بالعنوان “حْبيب رمان” معرض قراءتنا لها أهدتها إلى زوينة خلفان.

أولا لغة القصة: تميزت لغة القصة عند الكاتبة المميزة بشرى خلفان بالرمزية والإيحاء في مواقف مختلفة من السرد؛ مما يظهر الجوانب المعرفية الظاهرة، وكذلك النفسية الخفية للشخصية الراوية خارج القصة، وهي الكاتبة نفسها، والشخصية الراوية داخل القصة وهي قاصة أخرى تحكيها القصة، والشخصية الراوية التي نصبت نفسها تحكي من داخل أعماق القصة وهي الجدة مثلا..! فمن مواقف الرمز قصة حْبيب رمان القديمة التي حكتها الجدة التي جاءت ضمن قصة حْبيب رمان التي ترويها الكاتبة، وتميزت في مرات متناوبة بالشعرية الموسيقية الجميلة الرقراقة وهذا ما نلمحه من خلال:”لكنني أحسست في قذفة الكريستالات تلك، بأن شيئا ما في داخلي يشبهها، تلك الرشقة، تلك المواجهة الصامتة بين الصلب والأملس الواثق وبين كينونتي الهشة المتداعية لحظتها..”، ومنها أيضا على سبيل المثال لا الحصر ما وضعته في بداية نص حْبيب رمان والتي قصته حيث قالت: “وجدت هذه العبارة مدونة بخط يدك على بطن الغلاف لطوق الحمامة، فوضعته بداية لهذا النص” وهذا النص هو:”الحب ليس بيت شعر عابرا، ليس أغنية، ليس اللوعة المؤكدة للفراق، ليس التشظي والتبدد والفناء في الآخر. الحب ليس المكابدة، ليس الذهاب إلى آخر الجنون والعودة منه لحظة غامرة الحب ليس العذاب والعذوبة، ليس هذا، الحب كل هذا وزيادة، الحب سر الوجود الأعظم، حيث استحالة الإدراك والاستدراك”.

ثانيا أساليب القص: إن هذا التنوع الخصب الذي تتناوب معه القاصة من خلال أحداث القصة تجعل المتتبع لها يتوهم أن الشخصيات الراوية داخل القصة متداخلة تماما مع شخصية الكاتبة التي كتبت النص غير أن هذا التداخل يمكن أن يفرقه المتتبع من خلال تنوع لغة القص وخاصة عندما بدأت الجدة لهذا التناوب الجميل لسرد الحكاية: ” أذيه وين بنية يتيمة سمها حبيبة تعيش مع أمها العمياء، شافها ولد السلطان وهي تستقي من طوي الغربية، عجبته وتبعها لبيتهم وخطبها من أمها، وأمها العمياء خبرت جارتها تجهزها وتزفها على ود السلطان، والجارة جهزت بنتها وزفتها. حبيبة تصرخ وراهم، أنا حرمتك، أنا حرمتك، أنا حرمتك….العروسة الجديدة سكرت الباب عليها وانقطع كفها وماتت، الجارة عقت بالكف في مقصورة الوزير، والكف نضرت منه رمانة عودة وداخل الرمانة كبرت بنية”. وهكذا تواصل الجدة الحكاية المثيرة المدهشة حتى النهاية وهذا ما نتركه للقارئ العزيز أيضا حتى يعود لاستكمال حكاية الجدة في قصة حْبيب رمان التي دخلت ضمن قصة حْبيب رمان كاتبتنا المبدعة بشرى خلفان.

إن الكاتبة بشرى خلفان في اعتقادي الشخصي من خلال قصة “حْبيب رمان” عليمة ببواطن الشخصيات وما يدور في خلدها من مواقف نفسية فتحاول تنظيمها وحسن سبكها لتصبها في قالب سردي ذي تقنيات غاية في الروعة والجمال فهي تدرك تماما ما تريد الوصول إليه من خلال هذا القص المتناوب عليه فهي لم تحشر نفسها في هذا العمل بل إنها لم تتدخل في قصة الجدة لا من خلال لغتها ولا من خلال أحداثها فهي انسحبت لتترك المجال للشخصية الجدة وشخصيات قصتها كي تتحاور وتتأزم أحداثها وهي مستمعة وتدعو القارئ أو المتلقي كي يستمع معها إلى قصة الجدة الجميلة، فهنا الكاتبة تعاملت مع شخصياتها بأسلوب متميز وطريقة راقية جدا، فهي لم تتسلط عليها بل تترك لها المجال لكي تعبر عن نفسها فهي وظيفتها تنظيم القصة وتوزيع الأدوار ولهذا هي تميز بالجودة والرصانة والمتانة والجمال من خلال اختفائها في القصة وظهورها مرة أخرى ومثال ذلك:” وكذا حتى أكملت حْبيب رمان قصتها. ” الحب -أعزكم الله – أوله هزل وآخره جد”. كنت تقول لي إن مفتتح ابن حزم الأندلسي لكتابه “طوق الحمامة في الألفة والألاف” ما هو إلا تبرؤ شكلاني من الحب وانغماس حقيقي فيه عبر تقص لأسمائه العظمى ومراتبه المقدسة، هو استدراج بليغ ليس إلا، استدراج للعشاق كي يبحثوا عن المتشابه من أحوالهم وتقصي ما قارب من أوجاعهم”.

ثالثا الزمان والمكان: لقد تنوعت أحداث القصة في زمانها ومكانها بين القديم والحديث بين القديم وقت قصت حْبيب رمان للجدة بين زمنين ومكانين مختلفين، ووقت قصة حْبيب رمان التي تقصها لنا الكاتبة أيضا بين أماكن وأزمنة كما نلحظ ذلك من خلال الأمكنة:” الطائرة، لندن، مكتبة الجامعة، طوي الغربية، مقصورة الوزير، المقهى الصغير، في الجزء الخلفي من البلازا، مدينة السلطان قابوس، الممر المظلل…” وكذلك من خلال الأزمنة:” قبل عشر سنوات، الغدى، العصر طوال عشر سنوات…”، هذا ناهيك عن الزمان والمكان الذين ترتحل إليهما الشخصيات بين الماضي والحاضر، الارتحال الذاتي الخيالي مع حديث النفس، وكذلك الارتحال الحقيقي بينهما من خلال الحوار مع الآخر ووصف الفضاء الداخلي والفضاء الخارجي والعلاقة بينهما وبين السرد من خلال اللغة ووظائفها الأيديولوجية.

رابعا الخاتمة ونهاية القصة: استطاعت الكاتبة بشرى خلفان أن توجد لنفسها خاتمة متميزة لقصصها الجميلة، ففي خاتمة قصة “حْبيب رمان” نجد ومضات تقفل كل المشاهد التي ذكرت في القصة وكأننا أمام مشاهد سينمائية بإخراج فني لا يمكن تصوره أبدا، حتى القارئ يتصور تلك المشاهد وأنه حقا أمام ناظريه مشهد تلو المشهد يحق لنا أن نقف إجلالا لمثل هذا العمل القصصي مصفقين بيدينا صارخين لجودته وإبداعاته الفنية القصصية المحبوك ولهذا آثرت أن أورد المشاهد كما جاءت بها الكاتبة حتى أترك للقارئ الاستمتاع بقفلة قصصية نادرة حتى مع كبار القاصين العرب أو كتاب القصة العالمية فإليك عزيزي القارئ خاتمة القصة: ” ابن حزم أنهى كتابه في وصف حالات الحب ومراتبه والتحذير منه، وحْبيب رمان لم يخطر لها أن تسأل ولد السلطان المتكئ على السرير، وكيف اختلط عليه الأمر؟ كيف دخل ببنت الجارة التي لا تشبهها، كيف لم يعرف أنها ليست عروسة؟ أنها ليست الفتاة التي لحق بها إلى كوخها المتواضع وخطبها من أمها. كيف قبل بنت الجارة التي قدمت له ولم يسأل عنها، ولم يتعرف إليها حتى بعد أن رآها بين بنات الوزير. هل أحبها حقاً؟ أم عطف على فقرها فكانت كل الفقيرات سواء؟ هل أخبرتك؟ لم يعد المقهى موجوداً، فصاحبته حولته إلى محل لبيع العباءات والنادلة الفلبينية صارت المحاسبة ولم تعد تجيد الابتسام. أما طوق الحمامة الذي نسيته في عهدتي واحتفظت به طوال عشر سنوات فقد أهديته صديقة أرادت أن تعرف شيئا عن الحب، وندفة الثلج التي تفتت على زجاج كوة الطائرة لم تعد أكثر من تناظر زوايا وتقابل أضلع، وحْبيب رمان تركت ابن السلطان متكئاً على سريره يناجي حل الحليل، ومستعطفاً جدتي كي تقدم لي تفسيرا لكل قصوره عن الحب”.

ناصر الحسني

إلى الأعلى