الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / أفريقيا .. درجاني إلى فرضاني ” 2 “

أفريقيا .. درجاني إلى فرضاني ” 2 “

لم تكن رحلتي التي قضيتها في ربوع القارة الأفريقية كغيرها من مراحل حياتي ، فقد كانت سلسلة متصلة حلقاتها وشائقة بما فيها من مفاجآت مدهشة وبعض المشاهد بعد ما تركزت في المناطق المأهولة من أبناء وطني وبالتحديد في جزيرة زنجبار والجزيرة الخضراء .
في هذه الرحلة سوف أتطرق في سياحتي عن التأثير العماني في شرق أفريقيا بعد ما لفت إنتباهي نحو الموروثات العمانية بعد ما نقلها الرعيل الأول إلى هذه الجزر ، وذلك بعد ما أشرت في المقال السابق عن ( الدشداشه العمانية ) ، كما إني سأتطرق في المقال القادم عن هندسة المباني بمعمارها العماني والإسلامي ، كل ذلك فإن دل على شيء فإنما يدل على محافظة هذا الجيل على موروثات أبائهم وأجدادهم من العمانين.
في زنجبار شممت رائحة ( درجاني ) إلى ( فرضاني ) ، وهو مكان معروف منذ الأزل لدى العمانيين إلى يومنا هذا بنفس مسماه ويقال إنه يوجد في السابق خور مجرى مائي بعد ما عملوا له درجا متحركا حتى يمكن إجتيازه ولذلك تم تسميته بذلك وهي كلمة عربية بمعنى ( درج ) ، أما ( فرضاني ) فالإسم مشتق من الفرضة وعرفت بفرضة ماليندي والتي تبدأ من مرفأ الميناء حاليا والذي يستقبل السفن من كل مكان وهي المنطقة الملاصقة نحو قصر ( بيت العجائب ) .
من درجاني كنت أتوغل وأسلك بشكل دائم الزقاق المتجه إلى سوق الخضار والفواكه والبهارات وقد أسموه ( ماركيت ) وهي في الأصل كلمة إنجليزية حيث بني هذا السوق إبان حكم ( السلطان برغش بن سعيد بن سلطان ) ، ويقال إنه في إحدى المراحل التي سبقت توليه العرش ، كان منفيا في الهند حيث نشأ حبه نحو مزروعات الفواكه ، وعند عودته جلب معه ثمار المانجو غارسا بذورها في جزيرة زنجبار ، في هذا السوق يمكن رؤية أقسامه المفتوحه الجوانب بعد ما غطي جميع أسقفه بالقرميد الأحمر ، هذا السوق رأيته معدا لبيع كل شيء بعد ما خص كل قسم وركن لبعض المنتجات حسب إختلاف أصنافها بدأ من حيوانات البحر كالأسماك والحبار والروبيان بألوانها وأشكالها ناهيك عن اللحوم والدواجن فيما إستلفت نظري الدجاج والديوك بحجمها الكبير مثل التي تربى في مصر للمضاربة.
هذا السوق بأزقته ودرجات ممراته الواطئة ومخازنه الصغيرة يتيح للزائر رؤية الباعة من الرجال والنساء حيث رأيت المرأة تبيع وتشتري وتقوم بأدوار كبيرة في هذا المجتمع ، كما إن في هذا السوق الكل منهمك في البيع والشراء منهم على عربة متنقلة ومنهم من تربعوا على دكاكينهم بعد ما إفترشوا حصيرا قد حاكته أنامل أياديهم متكئين على جدار مبنى ، الوجوه بعضها تعبر لك عن بؤسها هنا امرأة عجوز قد ملأت عربتها بالغلال وشيخ طاعن في السن بلحيته البيضاء معتمرا غطاء للرأس (الكمة) يستند على جدار هو الآخر وبجواره عربته التي ملأها بالعنب بعد ما انهمك في تنقيته وتهذيبه عارضا للمارة ما لديه من عنب نحو تذوقه قبل أن تشتري منه ، في هذا السوق عندما كنت أمرق على الباعة توقفت عند رؤيتي موزا كبير حيث أدهشني كبر حجمه ، لذلك اشتريت منه بعد ما علمت إنه حلو الطعم وهو يطبخ ويؤكل ويقال له ( إنديزي ) ، كما إن من ثمار المزروعات التي رأيتها والذي يعتمد سكانها عليه غذاء لهم هو ( المهوجو ) وهو شبيه الجزر لكنه أبيض اللون من الداخل ومذاقه جميل عند شيه أو طبخه وثمرته لا تنبت في أعلاه كباقي المزروعات وإنما أسفله ، كما توجد ثمار آخرى كالدوريان والفنس والشوك شوك .
وعند تجوالي في أرجاء السوق دهشت من تواجد فئة من التجار الهنود حيث إن لهم العديد من المحال في الجزيرة وهم من طائفة الهجرات ويقال لهم هنا ( بانيان ) وهم يعملون في التجارة منذ زمن ليس بالقليل وهم سواحيليي المولد ويتحدثونها بطلاقة ، كما إنه لم يسبق لي إن ارتحلت بلدا ولم أجدهم فيه .
هذا السوق بأزقته وباعته يجذبك نحو ما يود بيعه ناهيك عن أزقه السوق بروائحها الجميلة التي تفوح منها روائح شجيرات التوابل والتي تعمل على إثارة حاسة الشم كالبهار والكمون والفلفل الأسود وحب الهال والقرفه وجوز الهند بعد ما تمازجت مع باقي الروائح كالخضار والفواكه ، كل هذه الروائح امتزجت في بوتقة واحدة في هذا السوق الجميل .
في ممرات هذا السوق كنت أتامل الغلال من خضراوات وفواكه كأنها هبة من السماء ، لا أدرى من أين أتت حتى وقعت عيناي على سيارات نقل ينزل منها الشيالون ، هذه الغلال أتوا بها بعد ما قطعوا بها مسافة من داخل القرى ، هنا في هذا السوق لا توجد مناجم أو كنوز إنما بشر يكدحون من أجل لقمة العيش .
بعدها سرت مكملا المشي ومتأملا نحو كل شيء حيث قادني المشي وسط الجموع إلى حيث محال ( الحلوى ) وهي التي تنتشر بكثرة على شاكلتنا تقريبا منها حلوة ( فلان ) ومنها حلوة ( فلان الفلاني ) مرحبين بالزائر نحو تذوقها ، كان منهم من يملك معملا لها وهم يستخدمون الفحم المحلي ولا يحبذون استخدام غيره ، كما إن منهم من سمى المحل الحلوى الأصلية ، وذلك باللغة السواحلية وتنطق عندهم ( هلوى أسلي ) بمعنى الحلوى الأصلية ، كما إن ما لفتني أنهم ما زالوا محافظين على الطريقة القديمة عندما يضعون الحلوى في خوصة صغيرة ( تغليفة ) ، أما باعة ( القشاط ) ويسمى عندهم ( كشاتا ) وهو مصطلح عماني الأصل فباتوا منتشرين في أرجاء هذا السوق ، ناهيك عن بائع شراب قصب السكر فهو الآخر منهمك في عمله عارضا ما عصرته معصرته من شراب لذيذ.
أما من المشاهد الجميلة التي إستوقفتني في هذا السوق مشهد (المقهوي ) والذي يجوب بها أرجاء درجاني بين المحال والأزقة والممرات حاملا دلة قهوته في وعاء حديدي به قطع من الجمر وهي لا تظهر للعيان بعد ما غطيت بغطاء نحاسي وعليها دلة القهوة وقد أوثقها بوثاق سلكي حتى تحافظ على سخونتها وهو يصدح بأعلى صوته ( كهاوى كهاوى ) بمعنى قهوة قهوة وهو يحمل في كف يده الآخرى بين أصبعيه الخنصر والبنصر فنجانا من القهوة ومن تحت الفنجان عدد من الفناجين يقرقعها حتى تصدر أصوات القرقعة وتصل إلى مسامع المارة والمتبضعين عارضا فنجانا من القهوة لمن أراد أن يتذوق قهوته.
في أرجاء هذا السوق يمكن رؤية البعض منهم من إرتكن تحت زوايا إحدى الشجيرات المعمرة بعد ما إلتف من حوله عددا من زائري السوق مرتشفين فنجانا من القهوه ويخال لك كأنك في أسواقنا أيام زمان.
كل هذه الحرف هي موروثات عمانية الأصل بعد ما نقلها الرعيل الأول من الأجداد إلى هذه الجزيرة ، هذه الحرف التي أراها ما هي سوى إعتزاز هذا الرعيل بتراثهم وهويتهم العمانية التي ورثوها من أبائهم وأجدادهم في الشرق الأفريقي حيث الحاضر ما زال ممتدا مع الماضي بوشائج كثيرة وهم من ينحدرون من قبائل عمانية معروفة ويلتقون معنا بأواصر من النسب منذ هجرة الرعيل الأول إلى هذه الجزر .
التوغل في أزقة هذا السوق والذي بدأته من ( درجاني ) أوصلني إلى محلات بائعي التحف ، عندها بدأت أتوغل أزقة هذه المحلات حيث وجدت بها مقتنيات بعضها يعود إلى عصر حكم السلاطين في زنجبار فأصبحت تباع بأسعار بخسة بغية التخلص منها كانت من ضمنها ساعات حائط ومذياع وسيوف ونقود وعملات وغيرها من المقتنيات ، كانت في نظر البعض صغائر لكنها كبيرة عند السائحين فهي باتت تمثل حقبة تاريخية ، كانت تستهويهم كل صغيرة وكبيرة وهم يعملون كل ما في وسعهم لاقتنائها والظفر بها فلهم اهتمام في ذلك ، أما نحن سامحنا الله فتركنا تلك الآثار ولم نسع نحو استردادها أو شرائها حيث أصبحنا لا نعيرها ذلك الأهتمام .
غادرت محلات بائعي التحف مخترقا الأزقة حتى ينتهي هذا السير في ( فرضاني ) في هذا التجوال إلتقيت بالكثير من العمانيين من أهلها ممن تبقى منهم أينما وجدوا فهم يمتازون بمروءة وشهامة وبحسن الأخلاق والضيافة العمانية ولا يشعر الزائر لهم بالغربة والضياع حيث وجوههم دائما ما ترتسم عليها البشاشة والأدب والحشمة وهي خصال العماني أينما ذهب ، أما الزنجباريون فهم لطيفو الطباع وتسهل عشرتهم حيث تميل طباعهم إلى الليونة وأخلاقهم رفيعة وما بقي من علم الدين فقد أولوه العناية ، والكل يمد لك يد السلام وكأنهم على معرفة بك سواء ببشرتهم السمراء أو البيضاء ، كلهم قلوب بيضاء كوضح النهار الزنجباري.
الزائر في هذه الجزيرة لا يجد صعوبة في البحث حيث يرشدونك إلى مبتغاك وبدون أدنى مقابل بعد ما يصاحبونك للمكان الذي تبحث عنه رغم الحياه البسيطة التي يعيشونها وقلة ذات اليد ، فقط يمكن رؤية تلك الإبتسامة التي تعلو محياهم وهي تنضج بالحب بعد ما أشرقت تلك الشفاه الجميلة جملا رقيقة .
كان ضروريا المرور بين عامة الناس والأزقة والذي أتاح لي رؤية كثير من المساجد وسط زخم المباني ، إن هذه الأزقة بها بشر ، وكم هي الأزقة نحو مدن إنطوت بعد ما وطئتها وغادرتها أقدام البشر حتى أصبحت في طي النسيان ، هنا الأزقة حاضرة ببيوتها الجميلة وجدرانها البيضاء كمن هندسها أبرع المهندسين حيث يمكن رؤية لوحات جدارية رسمها رسامين يبحثون عن قوت يومهم بعد ما نقشوا تلك الجدران برسوماتهم ، كما إن هؤلاء لا يحملون أيا من الشهادات لا من الجامعات ولا من معاهد الفنون ، إنهم يحملون شهادات الأزقة حيث إن لوحاتهم تحمل ألوان الطيف وهم من تسلقوا تلك الجدران لهذه المنازل فقط بعد ما وجدوا رقعة خالية مستخدمين سلالم ومنهم من وصل به الحال أن ينفث أصباغه بعد ما وجد رقعة أطرها بخشب الصاج راسما بفرشاته لوحة تمثل بيئته الأفريقية، تلك اللوحة باتت لفلاح يعتمر قبعة من القش بجانب كوخه والذي بناه من التبن بعد ما إعتلته صومعة تقليدية.
هذا التجوال في نهاية المطاف إنتهى بي في ( فرضاني ) أو ما يعرف بي فرضة ماليندي حيث البيوت والقصور السلطانية والتي مرت عليها حقبة زمنية ، هذه الزيارة كانت عليها أن تكون منذ وقت ليس بالقصير، وهي التي أدخلت في نفسي الكثير مما أجهله فقراءة كتب التاريخ شيئ ومعايشة ذلك التاريخ على الواقع شيئ آخر ، كل ذلك بعد ما رأيت ما لم أقرأه في تلك الكتب بعد ما وصل الأجداد إلى أفريقيا ونشروا الإسلام في هذه البقاع من أرض المعمورة .

ما وددت قوله

إنني كنت شغوفا بالتعرف على كل شيء فهم لم يختلفوا عنا حتى في العادات والتقاليد فلهم إحتفالاتهم الدينية والأعياد أيضا ، وهي ذاتها عادات عمانية الأصل ، ومن المفارقات قبل قدوم شهر رمضان يجلب لهم الكثير من تمورنا من قبل العديد من الأفراد الزائرين للجزيرة حيث يتم بيعه في هذا السوق ، وذلك لكثرة الطلب عليه في الشهر الفضيل ، ومن المفارقات الجميلة التي أبهجتني إنهم لا يصومون فقط سوى عند رؤيتهم هلال شهر رمضان ، وذلك إقتداء منهم بأهلهم في عمان.
إن التأثير العماني بات ماثلا وجليا في هذه الجزر بعد ما فاخر أهلها بأصولهم العمانية، وهم من يمتازون بحفاوة الترحاب نحو الزائر لهم ، وهي خصال عمانية بلا شك في ذلك بعد ما تحلت وجوههم بدماثة وحسن المعاشره مع الآخرين ، هذه الزياره في هذه الجزر أشعرتني وكأنني في مدن عمان وليس في جزر تقبع في أعماق المحيط الهندي.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى