الخميس 9 أبريل 2020 م - ١٥ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الشراك الجماعي فـي بناء الكون وتعميره

الشراك الجماعي فـي بناء الكون وتعميره

خلق الله تعالى الكون مسخراً لهذا الإنسان، ليسعى فيه عمارة وبناء، فيحافظ على بهائه، ويسعى في رقيه وتطوره، فهو مستخلف فيه، قال تعالى:(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).
وبناء الكون وتعميره لا يقوم على فرد بعينه، فلابد من الشراك الجماعي، فهو مسخر للجميع، من هنا كانت الشورى سنة كونية طبيعية، بها يستمر الوجود الإنساني، ويرقي في تطوره المدني.
وجاءت شرائع الله لغرس هذا المفهوم العظيم في نفس الإنسان، ليكون مبدأ في حياته يستنير به الطريق، ويحلّ من خلال تطبيقه ما أشكل عليه من أمور زمانه، ويستعين به في تقلبات أيامه.
والإنسان بطبعه مفتقر إلى غيره، وهو كما قيل اجتماعي بفطرته، أي أنه جزء من الجماعة التي لا تكتمل إلا به.
وأي عمل لابد أن يسبق بنظر وتخطيط، والنظر إذا كان تحت رأي الجماعة كان أقوى وأهدى سبيلا، وأقرب إلى بر السلامة والأمان:
رأي الجماعة لا تشقى البلاد به
عند الخلاف ورأي الفرد يشقيها
فالأصل أن الإنسان مجبول على الاعتداد برأيه، وإظهار نفسه، ولو كان رأيه مخالفا للأغلبية، وقول غيره أرجح منه، فجاءت الشرائع الإلهية لتهذيب هذه الغريزة، وتقديم الجماعة على الفرد، والمجتمع على الذات.
والله تعالى يضرب لنا مثالاً عملياً، ليكون منهجاً للجميع، فمع مطلق علمه سبحانه، وعظمة أفعاله جلّ جلاله، إلا أنه ضرب مثلاً لهذا الإنسان، فعندما أراد خلق آدم ـ عليه السلام ـ حاور الملائكة بالأمر قائلاً:(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ)، فجاء استفهام الملائكة:(أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، فكان الرد الإلهي:(قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)، فما كان من الملائكة إلا أن أدركوا حقيقة ما أراده الله سبحانه، فالحوار الهادف من أهم مبادئ الشورى وركائزها القويمة، وبها يتضح الأمر الصالح من غيره، في جو من الشفافية واحترام الرأي الآخر.
وهذا سليمان، أعظم ملوك بني إسرائيل؛ ومن الأنبياء العظام، حيث جمع بين النبوة الإلهية، والملك البشري، ومع ذلك لم يمنعه من مشاورة وزرائه في إحضار عرش ملكة سبأ، وكان بإمكانه أن يصدر قرارا يخص أحد وزرائه بأن يحضر عرشها، ومع هذا شاورهم قائلاً:(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ)، فاهتدى إلى رأي أوجههم:(قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)، وقال آخر:(قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)، فاهتدى سليمان إلى الرأي الأخير، وأدرك بالحوار والشورى الطاقات التي يتمتع بها الناس، والتي تُدرك عندما يفتح لهم باب الحوار والإبداع، ويعطون الثقة بالذات، ليساهموا في بناء الكون الفسيح، فشكر الله ربه على هذه النعمة العظيمة:(فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).
بل إنّ الشورى كانت منهجاً إنسانياً مفطوراً عليه، فبلقيس وإن كانت – قبل إسلامها – من قوم يعبدون غير الله تعالى من الكواكب إلا أنّ الشورى من أهم مبادئ الحكم عندهم، مما أكسب الرأي قوة، والبلد هيبة ومنعة، فعندما وصل إليها كتاب سليمان، شاورت قومها قبل الرد قائلة:(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)، ثم بينت لهم الأمر الجلل، والذي كان بحاجة إلى حوار تشاوري: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فكان جوابهم:(قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)، فبينوا لها وجهة نظرهم، وأعطوها مطلق الحرية في الرد، مما أكسبها قوة وعظمة.
ومع جلالة النبي (صلى الله عليه وسلم) ومكانته الرفيعة إلا أن الله تعالى أمره بالمشاورة، ليكون منهجاً لأمته تسير عليه، حيث قال سبحانه:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
ولقد طبق الرسول الكريم هذا المنهج حتى في بيته مع أزواجه، وأصبح منهجاً لقرارات الحكم والغزوات، وبه يتم التحاور في القضايا المتعددة، وعليه سار أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ كما في حادثة السقيفة بعد وفاته، والتي اختير فيها أبو بكر خليفة للمسلمين بقرار فريق من الصحابة.

إلى الأعلى