السبت 4 أبريل 2020 م - ١٠ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / دروس وعِـبر مـن بـعـض آي السـور «11»

دروس وعِـبر مـن بـعـض آي السـور «11»

إعـداد ـ ناصر بن محمد الـزيـدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الـمـرسـلـين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين ، وحجـة الله رب العـالـمـين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد..
فـلا زال الحـديـث مـوصـولاً:(دروس وعـبر مـن بـعـض أي الـسور) يقـول الله تعالى: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسـراء ـ 9).
كان الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) حـريـصاً لـتـلـقي الـقـرآن، ولـخـوفـه عـلى أن لا يـفـوتـه شـئ مـمـا يـتـلـوه عـلـيه الـروح الأمـين جـبريـل ـ عـلـيه الـسـلام ـ فـكان يـسرع في لـتـلـقي الـقـرآن عـن جـبريـل.
ولـكـن ربه تـفـضـل عـلـيه ورحـمه، فـقال له:( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (الـقـيامة 16 ـ 19)، وقال له:(سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ ..) (الأعـلى 6 ـ 7).
فـكان كـما أخـبر الله عـنـد نـزول الـوحي، مـا إن يـتـلـقى الـوحي حـتـى يجـد نـفـسه أنـه حـفـظ كل مـا أنــزل عـلـيه، فـيـقـول لـكـتـبـة الـوحـي، اكـتـبـوا هــذه الآيـة أو هــذه الآيـات، وضـعـوهـا بـين كـذا وكـذا في سـورة كــذا، أنـهـا نـعـمـة وفـضـل مـن الله عـلى رسـوله (صلى الله عـلـيه وسـلـم).
ومـع الأسـف إن قـومـه يـعـلـمـون أنـه مـا كـان يـكـذب عـلى مـخـلــوق مـنـذ نـعـومـة أظـفـاره، أيـكـذب عـلى الله ويـقـول أنـه أوحـي كــذا وكــذا، وهـو لـم يـوح إلـيه شـئ، إنـه بـعـيـد مـن أن يـصـدر مـن رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم) كـذب عـلى الله، ولـكـنـه الـعـنـاد والـتكـبر الـذي ران عـلي قــلـوب قـومـه.
هـذا هـو الـوحي الـمـتـلـوالـذي أوحـى به الله لـرسـوله، إنه الـقـرآن الـمـنـزل الـذي قال فـيه الـمشركـون للنبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم):(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ..) (يـونس ـ 15)، فـقال الله تعالى له:(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، قُل لَّوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (يـونـس 15 ـ 16).
وقـد رد الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) عـلى الـكـفار بـقـوله: أنـكـم تعـلـمـون أن هـذا الـقـرآن الـذي تـريـدون أن أغــيره، وهـو لـيـس مـن كـلامي أتيـت به مـن عـنـدي، اسـتـطـيع أن اتصـرف فـيه حـسب هـواكـم ورغــبـتكـم، وإن الـفـتـرة التي عـشـتهـا مـعـكـم تـلك السـنـين الـعـديـدة، وتعـلـمـون عـني كل شئ، وقـد لـبـثـتـم فـيـكـم عـمـرا مـن قـبـله، فـهـل صـدر مـني شيء مـن هـذا الـقـبـيـل، وإذا كان هـذا الـقـرآن ــ وأنتـم أعـلـم أنـه لـيس مـن عـنـدي ــ فـكـيـف تطـلـبـون مـني أن أغــير فـيه، وهـل اسـتـطـيعأن أزيـد فـيه أو أنـقـص أو أُقـدّم أو أُأخـر.
إنـه كـلام الله تعالى، الــذي لا يأتـيه الـبـاطـل مـن بـين يـديـه ولا مـن خـلـفه تـنـزيـل مـن حـكـيم حـمـيـد، ألـقـيته إياكـم كـما تـلـقـيـتـه مـن جـبريـل ـ عـلـيه السلام ـ ولـقـنـني إيـاه بأمـر الله، وإذن هـذا هـو الـمقـسم عـلـيه أولاً، وإلى هـذا الحـد يـبـدو الـمعـنى واضحـاً ظـاهـراً ظهـور الشـمس في رابعـة الـنهـار، قال الـشـاعـر:
وهـل يـنـفـع في الأذهـان شـئ
إذا اتـاج الـنهـار إلى دلـيـل
ألا فـلـيـتـق الله الكـفـرة الجاحـدون، الـمـوجـودون في كل زمـان ومـكان، فـكـلاب الله مـوجـودة في كل زمان وفي كل مـكان أيـضاً، فـهـو الـذي يـسـلـط مـنها ما يـشاء عـلى مـن يـشـاء، مـن الـمحـادين الـملحـدين، الــذين تـبـلغ بهـم السـفاهـة إلى أبـلـغ الحـدود، كـذلـك الخـبيـث اللـعـين عـتـبة بن ابي لهـب، الـوقـح ابن عـم الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم) الــذي ذهـب إلى الـرسـول (صلى الله عـلـيه وسـلـم)، وقال لـه مـا قـال مـن الـكـلام الـقـبـيح، ثـم تـفـل في وجهه، نـعـوذ بالله مـن سـوابـق الشـقـاء ، وما لأحـد عـنـده عـهـد أو بـراءة كـما قال الله تعالى:(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَـئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ) (القـمـر ـ 43).
ومـن الـمعـلـوم أن مـن ألـد وأشـد أعـداء للـنبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم) عـمه أبـو لهـب (عـبـد العـزى بن عـبـد الـمـطـلـب الـهـاشمي الـقـرشي)، الـذي أنـزل الله تعالى فـيه سـورة الـمـسـد، فـقال تعالى:(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ)، وكان النبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم) قـد زوج ابنـتيه رقـية وأم كـلـثـوم قـبـل الـنـبـوة لـعــتـبـة وعـتـيـبة ابني عـمه أبي لهـب.
ولـما نـزل عـلى رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم) قـوله تعالى:(وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشـعـراء 214 ـ 215)، راح يــدعـو إلى الله مـنـفـذا أوامـر الله، فــما إن سـمـع أبـو لهـب (عـبـد الـعـزى) بن عـبـد الـمطـلب حـتى أمـر أبـو لهـب ولـديه عـتبـة وعـتيـبة بتطـلـيـق بنتي رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم).
وقال عـتـبة بن أبي لهـب وكان يتهـيأ للسـفـر، في رحـلة تـجـارية إلى الشـام والـمعـروفـة بـرحـلة الصـيـف، والـرحـلة الـثانيـة إلى الـيـمـن قال عـتـبـة: لآتـين محمـدا ولأذيـنـه، فـجـاء عـتبة إلى الـمـجـلـس الـذي يجـلـس فـيه رسـول الله (صلى الله عـلـيه وسـلـم)، وكان في الـمجـلـس بـعـض سـادات قـريـش، ومـنـهـم أبـو طـالب عـم النبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم)، فـوقـف عـتـبـة بن أبي لهـب أمام الـنبي (صلى الله عـلـيه وسـلـم).
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى