الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات : اتفاقية ميناب ـ يناير 1622م

تاريخيات : اتفاقية ميناب ـ يناير 1622م

بعد فشل الحملات الصليبية المتكررة التي جندتها أوروبا لغزو الشرق العربي واحتكار موارده وثرواته، اتخذت لها وسيلة أخرى لتحقيق مطامعها الاستعمارية، وهي ما سمى بالاكتشافات الجغرافية والتسلل إلى النقاط الحيوية في الوطن العربي والوثوب من تلك النقاط إلى بقية أنحاء آسيا وأفريقيا كلها، وكان الإستيلاء على طرق التجارة التي تربط الشرق بالغرب أولى الأهداف التي استهدفتها حركة الاستكشاف الأوروبية، كما كان ظهور الثورة الصناعية في أوروبا، وتبلور الرأسمالية الاحتكارية، من العوامل الأساسية لنشوء الاستعمار الحديث، الذي يعنى بالإستحواذ على موارد البلاد المفتوحة وطاقاتها البشرية والطبيعية، وتحويلها لخدمة الرأسمالية الاحتكارية الأجنبية.
وكانت البرتغال أول الدول الاستعمارية الأوروبية التي اتجهت إلى الشرق لتوطيد أقدامها فيها، وكان الخليج العربي مفتاح الشرق من أبرز المناطق التي وجهت البرتغال أنظارها إليها. وكان ملك البرتغال هنرى الملاح يحلم منذ طفولته بتقويض مراكز الإسلام في أي مكان يستطيع الوصول إليه، ولذلك قام بالهجوم على سبتة في المغرب واحتلها عام 1415م، كما احتل مدينة طنجة أيضاً 1437م، وكانت خطته تنطوي على تطويق العالم الإسلامي وإيصال العالم المسيحي إلى الهند مباشرة.
وقد وجد هنري الملاح في بابوات أوروبا خير مشجع له على مغامراته تلك، وأكبر نصير بالرجال والمال والسلاح، وفوضه البابا نيقولاس الخامس عام 1454م حق الإستيلاء على جميع الممالك والدول التي يحتلها حتى بلاد الهند، ولقد ظهر خلفاء هنري الملاح بتفويضات ممثلة من البابا كالسينوس الثالث ومن جاء من بعده. وهكذا تجددت الحملة الصليبية على العرب والمسلمين في الحملات التي بدأها البرتغاليون.
وكان صول البرتغالي فاسكو دي جاما إلى الهند بالدوران حول القارة الأفريقية، والتوجه من رأس الرجاء الصالح إلى البحر العربي والمحيط الهندي، يمثل أولى بوادر الانقلاب العالمي الخطير الذي وضع الأسس الحديثة للرأسمالية والاستعمار الأوروبي الجديد الذي أخذ يعتمد على الغزو والاحتلال للسيطرة على موارد البلاد المفتوحة، وتأمين المصادر الأولية للصناعات الجديدة، واحتكار الأسواق لتصريف المنتجات الصناعية.
أخذ الشاه عباس بعد ذلك يتطلع إلى طرد البرتغاليين من قاعدتهم الحصينة في هرمز، إذ كان وجودهم هناك من شأنه تهديد هيبة بلاده ورخائها، ولما كان يفتقر إلى القوة البحرية التي تعينه في الصراع المرتقب بينه وبين البرتغاليين، فقد وجه أنظاره إلى الوفود الإنجليزية التي تفد إليه من بلاط جيمس الأول تعرض عليه الصداقة والمساعدة ضد العثمانيين.
وفي عام 1621م وجد الظروف مواتية لاستعادة هرمز، فأصدر أوامره إلى إمام قولي خان حاكم إقليم فراستان بأن يقود حملة لاسترداد الجزيرة من البرتغاليين، وتصادف في ذلك الوقت وصول أسطول إنجليزي إلى ميناء جاسك قادماً من سورات، فبادر الحاكم الفارسي بطلب المساعدة العسكرية من قائد ذلك الأسطول، ولوح للإنجليز بإغراءات كثيرة، وألمح في الوقت نفسه إلى أنهم إذا رفضوا المساعدة في ذلك الهجوم، فإن الشاه عباس سوف يعمل على سحب الامتيازات الكثيرة الممنوحة لهم، كما ستصادر شحنات الحرير التي كان يتوقع وصولها من اصفهان لحسابهم، وهكذا وجد الإنجليز أنفهسم في مأزق حرج. حقيقة أن مجلس إدارة الشركة كان لا يمانع في مهاجمة السفن البرتغالية والاستيلاء عليها بعد انتشار عمليات القرصنة من جانب البرتغاليين، ولكن فكرة تأييد الفرس المسلمين ضد البرتغاليين المسيحيين لم تكن تروق لبعض المسؤولين الإنجليز في الشركة.
ومن ناحية أخرى كانت الشركة تخشى معاقبة الملك جيمس الأول ملك انجلترا على ممتلكات البرتغاليين في الشرق، وكانت العلاقات هادئة بين انجلترا واسبانيا في ذلك الحين. يضاف إلى ذلك أن شركة الهند الشرقية كانت تعمل على تخفيض النفقات العسكرية إلى أقل حد ممكن، وكان الاعتقاد بأن هرمز محصنة تحصيناً قوياً وتحتاج إلى قوات ضخمة ونفقات عسكرية هائلة للتغلب عليها، ونظراً لعلاقة الحكومة الإنجليزية السلمية باسبانيا، فإن الشركة سوف تضطر إلى دفع رشوة كبيرة للمسئولين الإنجليز حينما يتعرض ذلك السلم للنقض من قبلها، إذا ما قررت التعاون مع الفرس في الاستيلاء على هرمز.
ويلاحظ هنا تأثير الثورة البروتستانتية التي كانت دافعاً للإنجليز لمساعدة الفرس ضد دولة كاثوليكية، مع عدم استبعادنا بطبيعة الحال أهمية الدوافع الاقتصادية المتمثلة في حرص الشركة على مصالحها وامتيازاتها، وعدم إعطاء الفرصة لتفوق البرتغاليين عليها، ولذلك انتهى الأمر بموافقة الشركة على مساعدة الحكومة الفارسية في استرداد هرمز، بشرط الموافقة على شروطها التي ضمنت في اتفاقية وقعت بين حاكم إقليم فراستان وممثل شركة الهند الشرقية في الجاسك.
وعرفت هذه الاتفاقية باسم اتفاقية ميناب – يناير 1622م-، وكانت تشتمل على بنود عديدة، كان من أبرزها أن يساهم الفرس على الأقل بنصف تكاليف العمليات العسكرية، وأن تقتسم الغنائم بالتساوى بين الإنجليز والفرس، وأن يؤول الحصن البرتغالي الموجود في هرمز بكل ما فيه إلى الإنجليز، كما نصت الاتفاقية على أن يقتسم الطرفان العوائد الجمركية في هرمز بالتساوي فيما بينهما، وأن تعفى التجارة الإنجليزية من العوائد الجمركية في هرمز وجمبرون والموانئ الفارسية الأخرى في الخليج، وأخيراً تضمنت الاتفاقية نصوصاً أخرى تتعلق بمساعدة الإنجليز لفارس في بناء أسطول بحري لها في الخليج.
ولما عرضت هذه الاتفاقية على الشاه عباس للمصادقة عليها أدخل عليها بعض التعديلات، التي كان من أهمها أن يحتل الفرس والإنجليز قاعدة هرمز معاً، وأن تعفى البضائع الفارسية من الجمارك في الموانئ الإنجليزية، شأنها في ذلك شأن البضائع الإنجليزية في الموانئ الفارسية.
وفي 23 أبريل سنة 1622م سلم البرتغاليون أنفسهم للإنجليز، وتم إنزال العلم البرتغالي من قلعة البوكيرك بعد أن ظل يرفرف عليها كثيرا. وبعد سقوط معقلهم في هرمز، أخذ البرتغاليون يركزون وجودهم على الساحل الغربي للخليج في مسقط وصحار ورأس الخيمة، وخاصة بعد أن تعاون الأسطولان الإنجليزي والهولندي في تدمير ما تبقى من القواعد البرتغالية على الساحل الشرقي للخليج.

محمد بن حمد الشعيلي
أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى