الجمعة 19 يوليو 2019 م - ١٦ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. لتكن أقلامنا منابر حرية لا سيوفا في الخاصرة

في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. لتكن أقلامنا منابر حرية لا سيوفا في الخاصرة

مسعود بن سعيد الحضرمي

لقد مر ما يقارب ثلاثة عقود على إعلان حرية الصحافة والاحتفال به يوما دوليا، ولكن، هل فعلا أقلامنا حرة؟ هل بحق وجدت الصحافة العربية طريقها للحرية والشفافية؟ هل حافظنا لها على كينونتها السلطوية وشرعية مخرجاتها؟

في كل عام، يطل علينا الثالث من شهر مايو يوما تحاول شمسه أن تجدد مجد المهنة التي أطلق عليها السلطة الرابعة، المهنة التي سقط على طريقها شهداء الواجب المهني والكلمة الحرة والتعبير الصادق، فاختلطت دماؤهم النقية بحبر كتاباتهم التي دفعوا ثمنها حياتهم، سواء بالاستشهاد في الميدان أو بالاغتيالات الغادرة. إنها الصحافة، التي أدرك عظمتها وقدرها في صنع تاريخ الأمم والشعوب الرئيس المصري الراحل أنور السادات فلقبها بصاحبة الجلالة، ولم يكن ذا اللقب أو ذاك مجرد مسميات تنعت بها هذه المهنة لغاية أو مآرب في نفوس أصحابها أو من لقبوها، بل كانت ألقابا لخصت المهنة وأبعادها وتميزها وتأثيرها الخطير في كل مرحلة من مراحل حياة الشعوب الدقيقة سواء بالرصد للأحداث أو المراقبة لتبعاتها، أو التعبير عن رفض أو قبول واقع معين.
ولم تكرم مهنة الصحافة بحق إلا حين أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة موافقتها على التوصية التي قدمتها منظمة الثقافة والعلوم التابعة لهيئة الأمم المتحدة “اليونسكو” باعتبار يوم الثالث من شهر مايو من كل عام احتفالية عالمية لحرية الصحافة، وهو نفس اليوم الذي تم فيه اعتماد إعلان ويندهوك الذي وصف بالتاريخي كونه شكل منعطفا مفصليا في مسيرة العمل الصحافي وتأسيس الثوابت والمبادئ ليصبح القلم الصحفي حرا، له دوره الحقيقي في المسارات الديمقراطية والدعوات للتحرر والاستقلالية، والتأكيد على حقوق البشر في حرية الرأي والتعبير عبر منابر الصحافة بأنواعها المسموعة والمقروءة والمكتوبة، وأن تتمتع الصحافة بالحرية والشفافية والمصداقية والاستقلالية دون التأثر بتيارات سياسية ودون أن يتبع القائمون عليها أهواء ذوي المصالح الخفية المضللة، ودون أن ينتمي إلى تلك المهنة الشريفة من له أغراض الصيد في الماء العكر أو التربص بكل من يكتب بصدق ليطلع قارئ مقالاته على معلومة أو رأي معين، ذلك الإعلان الذي تبناه مجموعة من الصحافيين الإفريقيين عام 1991 في اجتماعهم في ناميبيا تحت مظلة ودعم اليونسكو؛ ولعل فيما جاء في إعلان ويندهوك ما لم نزل بحاجة إلى أن نلمسه على أرض الواقع، خصوصا في المجتمعات النامية حديثة العهد بالاستقلال والتحولات الديمقراطية، ففي نصه ما مفاده ضرورة توفير بيئة تتمتع بأقصى درجات الأمان للعمل الإعلامي بكافة وسائله، كشرط لتحقيق حرية الصحافة المنشودة دوليا، وأن تتصف هذه البيئة الإعلامية بالتعددية أي تجمع الرأي والرأي الآخر، ولا تكتفي فقط بما ينبئ برضا الأنظمة السياسية فيجعل القائمين على صحافتهم من ذوي الحظوة فيما تحل اللعنة على من تعارض في الرأي معهم، فيستحيل حبر قلمه دما ويفقد حياته لا لذنب سوى أنه رأى ما لم يروه، أو أنهم كانوا يرونه مثله لكنهم لا يريدون الاعتراف بالحقيقة أو الخطأ، وهذا ما فسر موضعا آخر من إعلان ويندهوك الذي جعل أمن الصحافيين وسلامتهم والحفاظ على حياتهم من أي تهديد وحمايتهم من المتربصين شرطا لا يمكن تجاوزه من أجل أن تبقى الصحافة السلطة الرابعة، السلطة التي في مقدورها أن تكشف الحقائق الغائبة عن الشعب أو تسلط الضوء على المبهم منها، فإما أن تدعم عمل السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية وتقف وراء كل إنجاز لها وتخلده خبرا أو مقالة أو تاريخا، وإما أن تقلب الموازين فتجعلها في مرمى من نيران المواجهة مع الشعب.
لقد مر ما يقارب ثلاثة عقود على إعلان حرية الصحافة والاحتفال به يوما دوليا، ولكن، هل فعلا أقلامنا حرة؟ هل بحق وجدت الصحافة العربية طريقها للحرية والشفافية؟ هل حافظنا لها على كينونتها السلطوية وشرعية مخرجاتها؟ وهل وقفت العولمة والانفتاح التكنولوجي وشبكات الإنترنت وما أفرزته من وسائل ومنصات إعلامية وصحافية افتراضية وراء افتقادنا للكثير من المأمول من الصحافة، وفقدها هي كمهنة للكثير من قدرها وغاياتها؟ تلك التساؤلات حائرة في البحث عن إجابات واقعية لها، ربما وجدناها ولكننا على استحياء نتردد في التصريح بها، حتى لا تنعت مخرجاتنا الصحافية بالضعف والعقم، أو ربما لأن الحقيقة في أحيان كثيرة تكون موجعة ويرفض سماعها كثيرون رغم معرفتهم ويقينهم بها أو ربما هناك أمل يستتر خلف إجابتنا المترددة في أن نعيد للأقلام العربية حريتها ونجدد العهد بسلطتنا الرابعة بعد أن مرت بمراحل من السبات العميق، وحتى حين انتفضت قليلا، كان لها أثمان وأغراض، غير أن هذا لا ينفي أو يجعلنا متشائمين من النتاجات الصحافية في الوطن العربي، فكثير من الصروح الصحافية العربية كانت وما زالت ونأمل لها أن تبقى منابر حرية وأعلاما لا يشوب مسيرتها شائبة، ولا يوقف عطاءها تعثر في حال سياسية أو اقتصادية أو غيرها، ولم ولن تستطيع الحوادث ولا المجريات مهما بلغت من سوء أن تبدل في أيديولوجياتها وثوابتها وغاياتها، ولم تكن أبدا سيوفا في الخاصرة.
هي دعوة أوجهها اليوم ككاتب ربما لم أصل للاحترافية في العمل الصحافي، لكني تشرفت يوما أن أكون ضمن منظومة صرح صحافي عماني عريق عراقة نهضة سلطنتنا الغالية، جريدة “الوطن”، دعوة لكل الصحافيين والقارئين وأصحاب القرار في وطننا العربي أن يعوا ويدركوا قيمة بل وخطورة تأثير الكلمة المكتوبة والمسموعة والمقروءة سواء في الصحافة التقليدية أو الصحافة التكنولوجية، فالكلمة ما إن خرجت إلى السطور حتى أصبحت أحد أمرين، فإما تكون بوابة الحقيقة والمعرفة، وإما تكون سيفا في الخاصرة، كل عام وصحافتنا تتطلع لمزيد من الحرية، كل عام والأمل معقود على أقلامنا لتكون مرآة الأمة، وكل عام والصحافيون بخير.

إلى الأعلى