الثلاثاء 16 يوليو 2019 م - ١٢ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: الكلمة الرصاصة

باختصار: الكلمة الرصاصة

زهير ماجد

بالكلمات نعيش ونستمر ونحقق، وبالكلمات نصنع ونكتب ونقرأ .. يوم اخترع الإنسان الكتابة حقق نقلة تاريخية .. بل بدأ التاريخ، لأن التدوين أساسه. العالم اعتاد على الكلمة التي صارت نصه الوحيد في التعبير عنه. نحن في كل يوم نغرف من دائرة الكلمات ما نحتاج إليه.
في اليوم العالمي للصحافة، نتذكر أن ثمة أقلاما وكتابات، لكن هنالك صورة، انتقل الثقل من الصورة على الورق، إلى تلك التي في الشاشة .. اليوم مثلا نرى حروبا عليها، نعيش مشهديات حارة في لحظتها .. صارت الصحافة ناطقة في لحظتها، ولهذا تبدو مخيفة للبعض.
هكذا عصر يجب أن يتزين بالحقيقة، من يملك القوة يملك تلك الميزة الأساسية .. والقوة في عالمنا صارت معروفة، منذ الحرب العالمية الثانية تسللت إلى الواجهة، لا بل جاءت حاضرة بما حققته من مكتسبات تلك الحرب والسيطرة التي فازت بها. الولايات المتحدة من المؤسف قوة للسيطرة وليست قوة للإنسانية، لو وضعت قدراتها خارج غطرستها لكسبت أكثر بكثير.
الأجيال العربية التي كبرت بعد تلك الحرب اصطدمت بواقع مؤلم، وخصوصا حين قام كيان كان تحفة لأميركا وهو إسرائيل. فرض هذا الكيان ظروف نشأته ثم استمراره بقوة الدفع الأميركي في شتى المجالات .. واليوم تزور الولايات المتحدة الحقائق، تكتبها بالكلمات وتقولها بها، تكذب في عصر منفتح على شتى التيارات، فهي بالتالي مكشوفة الأهداف، هكذا كانت ولسوف تكون .. من يمكنه مقاومة القوة العاتية التي لديها كل تفاصيل الفناء البشري إن أرادت.
نعود إلى الكلمة في يوم الصحافة، كانت الفكرة المصرية تقول بأن الكلمة التي لا تكون رصاصة خداعة وخاينة .. ما أصعب أن نكتشف أن الفكرة ليست موجودة، كان لها زمنها حين كان لها رجالها، حالة موات الكلمات فرش الصحف ونشر فيها ثرثرته وأفكاره. كان هنالك زمن عربي وصلت فيه الكلمات مجدها، عاشت على صورة اللحظة فانتعشت قلوب العرب أينما كان. لله ما أجملها من أيام لم يعد لها شبيه .. لقد خسرنا من نحن حين سقطت منا الكلمات .. ودعنا آخر حروفها ذات يوم حزين لحظة دفننا جمال عبد الناصر.
لماذا يحتفل العرب بيوم الصحافة العالمي .. وكل كلماتهم المكتوبة أو المقالة لا تملك تأثيرا ولا كفاءة في التغيير .. ومع ذلك فهم يكتبون، يملأون الصفحات ويضع الكتاب صورهم فوق مقالاتهم، وأكثرهم ليس من يقرأهم؟ لم تعد الأجيال تقرأ سوى العناوين، صارت الصحف تقرأ بالمقلوب، من الصفحة الأخيرة البدء حتى الصفحة الأولى.
في هذا الزمن العربي المتألم والموجوع والمصاب، كثيرا ما نحتاج إلى الكلمة الرصاصة واللحن الرصاص، وكذلك الغناء المعنون بالكلمة واللحن .. نحن نحرق هواء لا معنى له، فيما حاجتنا إلى الكتابة الجديدة كثيرة وعلينا أن لا نبحث عنها لأنها متوافرة في أدبياتنا الحالية لكنها لا تستعمل طالما أن لا فهم حقيقيا لكيفية إدارة الإعلام.
عندما تكون حال الأمم كحالنا، يتوجب إعلان معركة .. نحن نصد أكبر مؤامرة في تاريخنا تستلزم إعلاما وكتابة مختلفة عن أيام الرخاء .. فهل المشكلة في العقل الذي لم يتسوعب بعد تلك النقلة من السلم الكامل إلى الحرب المدروسة بعناية؟ نواجه أكبر مؤامرة بعقل البارحة.

إلى الأعلى