الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 م - ٢٣ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / حينما تتعانق جماليات التشكيل مع روحانيات الحرف العربي في اعمال سلمان الحجري
حينما تتعانق جماليات التشكيل مع روحانيات الحرف العربي في اعمال سلمان الحجري

حينما تتعانق جماليات التشكيل مع روحانيات الحرف العربي في اعمال سلمان الحجري

تتصدر المعالجات التشكيلية للحرف العربي في رحاب الفنون البصرية المعاصرة، مكانة متنامية الإيقاع لولادة نوعية جمالية متجددة. وتكمن الدلالات الإستيطيقية في المنجز العربي الراهن في فرادة تطويع الخطوط والحروف العربية وجدليتها بين المقروء والمبصر. ومن خلال تجربة الفنان الدكتور سلمان الحجري، هذا الفنان العماني المتفرد بمراوحته التشكيلية بين أنماط من التعبيرات المتفاوتة، التي تعبق باللون المتشكل النابع من جذور المشاهد التراثية ورؤيتها بطرق معاصرة. يعرض الفنان العماني مجموعة اعماله التصويرية في معرضه الفردي بالدوحة تحت عنوان “روحانيات الحروف” وذلك من 03 الى 21 مارس 2019، واكتسبت هذه التجربة دلالة بصرية مستنيرة بهالة الحروف العربية وتثبيتها في نسيج بصري متحرك.
فكيف امتثلت الممكنات الجمالية للحروف العربية في اعمال سلمان الحجري؟ واي روحانيات اقتبسها الفنان في منسوجاته الرقمية البصرية في هذا المعرض؟ بين القروء والمبصر تتراقص الحروف وتترابط في ديمومة التشكيل الملون، فأي رابطة جمالية يعالجها الحجري في لوحاته؟ واي دلالة للاختلاف والتشابه في منجزه التشكيلي؟ كيف تخرج الحروف العربية من البعد النمطي في التشكيل العربي المتداول لترحل في منجز سلمان الحجري الى سياقات التوالد الرمزي لروحانيات اللون وتشكيلات الحرف؟

تجليات الحرف في تشكلات اللون:
تعددت لوحات الفنان العماني سلمان الحجري في معرضه الأخير الموسوم بروحانيات الحروف لتتشكل الألوان بطرق متفاوتة الإيقاع والاشباع الضوئي في رحلة تشابك وتعالق مع الحرف العربي الذي اسكنه الفنان درجات متعددة من التراكب والتجاور في رحاب اللوحة الواحدة. وتمتد بحور اللون في فضاءات اللوحة وتتميز بدقتها وبلاغتها ونقائها المتفاوت والمراوح بين الألوان الأولية والالوان المركبة.
تتخذ لوحات الحجري من الحرف عنصرا أساسيا في انتاج القيمة الجمالية بعناية فائقة ليساهم الفنان بكل جهوده في تطوير النوعية المشهدية المستوحاة من الحرف وادراجه ضمن محور بحث تشكيلي أساسه الحركة اللونية الايقاعية.
لقد اعتبر الخط العربي في تاريخ الفنون الإسلامية ملحمة تعبيرية، لا ينفك أحد من الفنانين التشبع بمقاييسها التركيبية والياتها التعبيرية وقيمها الإستيطيقية، والوقوف تباعا عند مساهمتها في تطوير مشهد الفنون البصرية المعاصرة. ويضمن الفنان العماني سلمان الحجري في معرضه الأخير إعادة تفكير جمالي في رهان الحرف وتحديثاته ضمن الطفرة النوعية في الفنون البصرية الرقمية المعاصرة. ترتقي روحانيات الحرف الى مصاف التركيبات الممزوجة بحسن التصميم وبلاغة التعبير في رحاب اللوحة الواحدة، ليمضي الفنان جاهدا في تضمين الحروف بجملة من التراكيب المدروسة والمتراوحة بين المبصور والمقروء باعتبار الحرف عنصرا تواصلي جمالي بامتياز.
“عمل رقمي بعنوان افق واسع 2 فيه تصميم الحرف بطريقة ايقاعية أساسها ثنائية القريب والبعيد في توزيع الحروف المكبرة والصغيرة وفق نقطة المنظور المركزي في اللوحة الصرحية، ومن خلال التلاعب بين المستويات الواضحة والشفافة يصنع الفنان حالات بصرية متذبذبة فيها تمازج بين الشكل والخلفية من خلال الحرف ودرجاته الضوئية في اللون الواحد.”
لم يعرف المبدع العربي تقصيرا في عشقه للخط وتنوعاته الخصبة في مجالات الفنون التشكيلية والبصرية في حدّ ذاتها، ولم يكن الطرح الإبداعي المعاصر تكرار لمبادئ الخط الكلاسيكي، بل اشتمل على فرص متلونة لإحداث نسق جمالي للخط وما يمكن ان يتولد عنه من حركات وايقاعات. لقد غيّر الفنان الحامل والوسيط واتجاهات الخط، وعمل على تفكيك الخطوط وتحريك الحروف بصورة متشابكة وفق نظم العمل الفني ورهاناته الإستيطيقية، وحرك الحجري بألوانه المتراكبة اشكال الحرف القابع في لوحته “افق واسع”1و2، وعمد الى البحث في صرحية الحامل واتساع دائرة افق الحرف وامتثاله لمشهدية فضاء مفتوح، ليعمّق درجات الإيقاع البصري لتموجات شكله وتوزيعه على كامل اللوحة.
اما العمل الرقمي افق واسع 1 ففيه تلاعب تركيبي واضاءة خافتة تكتسي بها اللوحة تناغما متفاوتا، لتمنح عملية تضخيم الحروف وتمركزها في مساحة اللوحة من شانه ان يكون طاقة جذب داخلي في تقنيات الابصار وجماليات التذوق المشهدي للأثر. وباعتماد ثنائيتي الضوء والظلال بدقة صارخة فان الفنان سلمان الحجري قد استخرج من التقنية الرقمية ملاذا جمالي لكي يجدد تصميمات التراكيب وإخراج عبق الروحانيات المخفيّة فيها والاعلان عن خاصيات التكوين الرقمي للحروف العربية وابعادها الرمزية وتحريك ثبات المادة التصويرية في عوالم الفنون الرقمية المعاصرة من اجل رسم واضح للهوية الفنية الإسلامية ومدى ارتباطها بالمد الرقمي وتجلياته التقنية والمفاهيمية.
ومن خلال التقنية التي اعتمدها سلمان الحجري فإننا نطرق جماليات التكوين الرقمي والياته التعبيرية في سياقات التعبير المعاصر ودور البرمجيات في انتاج تعبيرات تشكيلية بصرية متجددة الأفق الواسع. فكيف يرسم الفنان اعماله الرقمية؟ بين فن التصميم الرقمي وفنون التعبير التشكيلي اية علاقة ينسجها الفنان في أثره روحانيات الحروف؟

املاءات الرقمي في جواهر وروحانيات الحرف العربي:

تتعدد التجارب المعاصرة في الفنون الراهنة والتي وجدت في الخط العربي ثروة وارضا خصبة لتنمية الإبداعية المشهدية في الناتج الفني، ومن خلال التقنيات التكنولوجية والرقمية أصبح بإمكان الفنان ان ينسج ابداعا تصويريا فيه من جوهر الخط الشيء الكثير. وتشع تجربة الفنان سلمان الحجري بتفاصيلها المتعددة في معرضه “روحانيات الحروف” لترتقي الى درجات التفاعل الرقمي المتجدد مع الحرف وتصميماته واخراجه كثيمة تعبيرية معاصرة مشبعة بالدلالة. لقد تقلص استعمال الخط في منظومة التشكيل المعاصر باعتماد وظيفته المقروءة وتحوّل الى جملة من التفاعلات للصورة الحروفية المتجددة عبر الوسائط الرقمية، باعتباره محرابا يلجه الفنان بكل ما له من قدرة على تصور روحي وتقني للعمل التشكيلي المنجز.
ووفق العملية الجمالية يرسم الفنان غاياته، وباعتماد تأثيث تصويري للمساحة الرقمية عبر تداخل الحروف وتراكبها الى حد تكوين نسيج بصري خطي، تتفاعل فيه الألوان والاضاءة بصفة متناسقة. لقد تم اتخاذ الحرف في كل اللوحات المعروضة لتكون أداة رئيسية لإنتاج الصورة وتجلياتها التعبيرية، ليتم بذلك دمج القيمة البصرية بممكنات المعنى المتولد من إيقاع التراكب الحروفي والنصوص المصورة.
يستلهم الدكتور سلمان الحجري الطاقة الإبداعية للموروث العربي الإسلامي في مثاله الخط والحروف التي يتواصل معها الفنان ببساطة ايقاعية ناشطة متزنة لونا وشكلا. يعتمد الحجري في أثره المتعدد بين، افق واسع وريادة ورمال عربية و سلام و غيرها من عناوين اللوحات المعروضة بكتارا، على قواعد تنظيمية لعناصر في الفراغ التصويري لينسج تركيبات بصرية تتقاطع مع ثنائية الملء والفراغ وبين مناطق الإشباع اللوني ومناطق تكون راحة لعين المشاهد. ينزح الحرف العربي في توظيفات سلمان الحجري الى طرق التكوين التقني ودلالته الرمزية، وبوصف الحروف الية مشبعة بليونة تطويعها فان في اختيار المعالجات الرقمية للتصوير المعاصر قد سمح للفنان من ان ينغمس أكثر في طرق التحوير والتصرف وإدراك نظرية التلقي المشهدي وتأويلاته البصرية.
اما الاعمال الرقمية التي تحمل عنوان هيبة ودخول المساء، ففيها تناسج بصري متجانس من شانه ان يكاشف ممكنات البعد الروحاني في الحروف المطوّعة والعائمة في بحور من اللون والضوء والتقسيمات الافقية للتركيبة الواحدة، لتعمق بدورها افق الحرف في عالم من اللون الفاتح والمشبع وبين النقطة والخط المنساب في حركية مسترسلة للخطوط المبتكرة من امتداد الخط والتواءاته وانحناءاته الديوانية.
لم يشتغل الفنان العُماني على إدراك المعنى اللغوي من الحروف العربية، ولم يلتزم بالقواعد التركيبية واملاءاتها بل ارتهنت التجربة الى مسارات الابداع التركيبي المتولد من دلالات الاختزال وادخال الحرف في نسيج التركيبة البصرية واعتباره كقيمة جمالية ذات معطيات تكوينية محدّدة ومشبعة بالإيقاع والتجريد. لقد ارتقت الحروف في روحانيات الحجري الى مصاف المتحولات المشهدية المختزلة والصرحية في احجام اللوحات لتنفتح على افاق جديدة.
لقد تخير الفنان عناوين جد رمزية للوحاته الرقمية واختزل ابحاثه الجمالية في دلالة الكلمة وتصميماته التشكيلية ليكون عمله السلام دعوة مشبعة بالرسالات المضمنة والمصرحة لقيمة السلام شكلا ومفهوما وموضوعا ملهما للفنان والتفكير فيه.
يذهب الفنان سلمان الحجري في اعماله الى تغليب التراكيب الخطية للحروف وتوزيعها بتشابكات بناءة تجريدية، لتوشم لوحاته بالحروف النابضة والايقاعية في رحاب الاستخدامات التقنية الرقمية والجرافيك.
يرسم الفنان مذكراته البصرية ويكاشف تجلياتها الروحانية من عمق التقنيات الرقمية المستعملة، لتتوالد اللوحات من عبق التعدد والايقاع المزامن للعبة الضوء والظل وإدراك النص البصري وشاعريته على خارطة التشكلات الحروفية المحتفية بالهامش والمتن. ويمضي المبدع في إيلاء رحلة البحث عن تفاصيل تركيب متجددة للحروف العربية الضامنة لمشهدية فنية عربية معاصرة تستلهم من الحرف العربي اشباعا جمالي استيطيقي متجدد.

د. هالة الهذيلي
ناقدة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى