الخميس 19 سبتمبر 2019 م - ١٩ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حروف المعاني في آيات الصيام ودورها في الترابط الدلالي (2)

حروف المعاني في آيات الصيام ودورها في الترابط الدلالي (2)

د.جمال عبدالعزيز أحمد*
..وإن كان المعنى الذي وقع عليه التشبيه هو: مدة الصيام فقط دون غيره، كما ذكر ذلك الطبري، ورجحه على غيره، في تفسيره، حيث قال:(إن التشبيه إنما وقع على الوقت وذلك أن من كان قبلنا إنما فُرض عليه صوم شهر رمضان مثل الذي فُرِضَ علينا سواء)، كما دلَّت الكاف كذلك ـ التي أفادت التشبيه ـ على أهمية هذا الصيام إذ أشارت إلى عِظَمِشأن الصيام، وما تضمنه من القيَم، وتخلله من الحِكَم والمصالح، والفوائد العظام، والآداب الأخلاقية الجسام، حيث تشهد بذلك العقول السليمة، والفطر المستقيمة ولذا اشترعه الله، وافترضه عليهم رحمة بهم وإحسانًا، وتتعجب عندما تقرأ أغراض التشبيه في هذه الآية عند الطاهر بن عاشور، إذ ذكر أغراضًا ثلاثة تضمَّنها هذا التشبيهُ القرآني الكريمُ، أحدها: الاهتمام بهذه العبادة عبادة الصيام، والتنويه بها، فقد شرعها الله قبل الإسلام لمن كانوا قبل الإسلام، وشرعها للمسلمين وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها، ووفرة ثوابها، واستنهاض همم المسلمين لتلقِّي هذه العبادة كي لا يتميز بها مَنْ كان قبلهم وحدهم، ففي الأمة المسلمة مَنْ ينهض لها، ويقوم بحقها، وهم أولى بها، والغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين تهوينًا وتيسيرًا على المكلَّفين بهذه العبادة؛ خشية أن يستثقلوا هذا الصوم، فإذا رأوا غيرهم قد التزم سَهُلَ عليهم، وأما الغرض الثالث فيكمن في إثارة العزائم، واستنهاض الهمم، وبعْث القوى للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصِّرين في قَبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة، تحقيقاً لقوله تعالى:(يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) (مريم)، وامتثالاً لقوله ـ جلَّ جلاله:(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الاحزاب ـ 36)، فيلزم المصير،والامتثال، والالتزام به.
ثم يأتي ختام الآية الكريمة بحرف المعنى (لعل) الذي يرمي إلى الترجِّي، وهو ترجٍّ في حقِّعبادِ الله الصائمين والمسلمين المخاطبين بهذا التشريع الحكيم، فموضعه هنا المخاطبون، وليس المتكلم، فهم المأمورون بالصيام، وهم الذين يترقبون بصيامهم منزلة التقوى التي هي الغاية الكبرى الأساسية من كل تشريع، وكل عبادة، وكل تعليم رباني سماوي، سواء أكان صياماً أم صلاة أم نحوها من العبادات
وحرف المعنى:(لعل) فيه رقةٌ، وتلطفٌ، ومن خلاله يسعى المسلم بكل عزم وحزم أن ينال جمال التقوى، ويحقق مدلولها؛ لينال كمالَها، ويحصِّل ثوابها،فهي تدعوه بحروفها الرقيقة إلى محاولة الوصول إلى برِّ الأمان بالتقوى والورع، وتصغُر عنده شهوات الحياة الدنيا، وملذاتها، وتجعله في حصنٍ حصين من أن يأتي ما يجرح صومَه، ثم تستمرُّ معه طوال العام تذكِّره بجمال وجلال وكمال وسموِّ وعلوِّ أهداف الصوم، وهو الوصول إلى أسمى أخلاقيات الإسلام في كلِّ تشريعاته، وكلِّ عباداته، وكل أوامره، ونواهيه، وطاعاته، وهو تحقيق فضيلة التقوى التي قامتْ عليها عبادات الإسلام جمعاء، والتفَّتْ حولها مقاصدُه وأهدافُه.
يقول الله تعالى:(أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة ـ 184)، فقد جاء حرف الفاء (فمن كان ..) هنا ليربط بين الجملتين لاستيفاء الأحكام الخاصة بالصيام، واستمرار الحديث عنها بعد أن ذكر أنها أيامٌ معدوداتٌ، كنايةً عن سرعة انقضائها، وقلة زمنها، وضرورة استغلالها، وحسن استثمارها، وجليلِ العنايةِ بها، عاد فعطف بالفاء التي تفيد الترتيب، والتعقيب، وهو أمر يدل على النظر المتكامل من المسلم للحكم الفقهي محلِّ الحديث، ونتعلمُ منه أننا إذا كنا مشغولين بأمرٍ مَّا، فيلزمنا توحيدُ النظرة، واجتماعُ العقل، وجمعُ الفكر والذهن؛ حتى نكملها، ونعطيها حقها مستوفًى، وندرسها من كلِّ الزوايا والجوانب، من غير ما تأجيل، ولا تأخير، فكأنَّ الفاء نقلتْنا من حكم إلى حكم على وجه السرعة، وجذب العقل، واستحضار الذهن، فالفاء العاطفة أدَّتْ لَوْنًا من الترابط الفكري، تبعه الترابط الدلالي والمعنوي، وذلك باستمرار النظر، وتواصله حتى نأخذه كلَّه مكتملا غيرَ منقوص، وهو كناية عن أخذ الأمور السماوية بقوة، وبعظمةٍ تتناسب مع مشرِّعها وُمنزِلها ـ جل جلاله، فكما يقولون من أن الفاء هناللتفريع على حكم سابق، وهو فرض الصيام، فهو عَوْدٌ على بدء، واستكمال حكمٍ بعد حكم، فَفَرَّعَتِ الفاء عاطفةً هذا على هذا، وفيه كناية كذلك عن رحمة الله بالعباد، بأنْ وضَّح لهم، ويَّسر لهم الفهمَ، وشرَّع للضعاف وذوي الحاجة حكمًا يناسب قدراتِهم، وكل من له ظروف خاصة يسعُه التشريعُ، ويمكنه الالتزامُ به، وهو كناية أيضاً عن يسر الإسلام في تعاليمه، وسهولته في تشريعاته، وأنها تناسب كلَّ الناسِ: قويِّهم وضعيفِهم، كبيرِهم وصغيرهم، وشِيبِهم وشبابِهم، نسائِهم ورجالِهم، ثم تأتي (مَنْ) الشرطية رابطةً جواب الشرط بفعل الشرط، فهي من أدوات الربط، والتمتين.

إلى الأعلى