الإثنين 21 أكتوبر 2019 م - ٢٢ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الأندلس … صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (4ـ12)

الأندلس … صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (4ـ12)

سعود بن علي الحارثي

برشلونة ج1:
الحركة في مطار برشلونة نشطة، والإجراءات سهلة وميسرة، وطوابير الواصلين إليه من كل مكان تتحرك بسرعة، فالوعي بأهمية السائح ودوره في تنشيط الحياة الاقتصادية يدركها الإسبان وهم يستقبلون ضيوفهم بابتسامة وترحاب وتقديم المساعدة لهم كلما كانوا بحاجة إليها. (الحمراء) رواية الكاتبة الألمانية كيرستن بويه الحائزة على الجائزة الاستثنائية الألمانية ٢٠٠٧م، كانت رفيقتي خلال أسبوعين قضيتهما في ربوع الأندلس، وقد انتقيتها بعناية وتعمد، فما أجمل أن نقرأ ماضينا وحقيقة تاريخنا وما تركه العرب من مجد حضاري وثراء معماري وإنجاز إنساني بعيون الآخرين لنتحقق ونقارن ونستزيد ونتعمق أكثر فأكثر، ونوسع قراءاتنا ونقف على الحقائق من مصادر متعددة، ولأن الرواية ارتبطت ارتباطا وثيقا بغايات هذه الرحلة. فالمكان الذي تتجلى فيه أحداثها محيطه (الحمراء) بين ماضيها وحاضرها، القصور، الحدائق، الأزقة، الحارات، الأسواق، الساحات، ووصف كل ما فيها من إبداع وإتقان ومهارة وعبقرية في الهندسة والتصميم والزخرفة والفنون ومزج كل عناصر الجمال وتشكيلاته لصناعة تحفة معمارية لم تزدها الثمانمئة عام التي مرت عليها إلا ازدهارا وجمالا وفخامة ومهابة تأسر عقول وقلوب الزائرين للحمراء من شرق الأرض وغربها وتثير أسئلتهم بشأن هذا الماضي وأسراره ومعجزاته التي لا تنتهي،(فبعد مشاهدة الحمراء، يهبطون من هناك في جولة استطلاعية قصيرة عبر الأزقة المتعرجة للمدينة، ليصلوا بعد ذلك إلى الكاتدرائية، ومن هناك يقودهم الأدلاء السياحيون إلى البازار، ليندهشوا بروح الشرق التي ما زالت تهب في هذه الحواري على الرغم من مضي خمسمئة سنة على انسحاب المغاربيين من هنا…)، ولما تعرضه الرواية من معلومات واسعة ومشاهد دقيقة وصور نقلتها الروائية بعين الفنان المبدع، وقراءة رصدها فكر واسع المعرفة متعدد في ثقافته، إنها أشبه بمرشد سياحي للمكان متمكن من تخصصه، ولأن الكاتبة تبهر القارئ بأسلوبها الروائي الجذاب الكامن في لغتها العذبة ودقة وصفها والسرد المتسلسل بانسيابية بحبكته الجزلة، وترابط أحداث روايتها بين ماضي وحاضر يفصل بينهما أكثر من خمسمئة عام يجمعهما المكان (الحمراء)، وكان الحوار عميقا والرسالة واضحة ودقيقة، بشأن جدل لم يتوقف حول الإيمان ومسؤولياته ومن هو المؤمن والكافر؟ والمعتقد الديني ما زال ملتبسا ومتناقضا لدى الكثيرين من الحائرين بين عدالة الرب وسماحة الأنبياء وغايات الدين السامية في نشر قيم السلم والحرية والتعايش والتسامح والأخوة بين البشر من جهة، وما يسوق له ويروج ويدعو إليه رجال الدين وشيوخه وكهنته من جهة أخرى، يتجلى ذلك في حوار طرفاه هؤلاء الكهنة حملة رسالة الرب ورغباته والملكة إيزابيلا التي تتساءل منقادة إلى كشف الحقيقة (فمن بمقدوره الجزم بأن خدمته فهموا رغباته على الوجه الصحيح؟؟)، (لقد حدثنا إلهنا عن المغفرة)، والمسيح يقول (أحب جارك كنفسك)، و(أحبوا أعداءكم)، و(الله رحمة)، فيما يدفع الكهنة نحو المعاقبة والقصاص وسحل وتطهير الأندلس ممن هم من غير المؤمنين، أي الذين ما كانوا ولن يصبحوا (مسيحيين)، من (الهراطقة وأصحاب البدع)، أخيرا وبعد ضغط الكنيسة (التزمت إيزابيلا الصمت، فاقتلاع غير المؤمنين من غرناطة كان ضروريا مثلما كانت الحروب الصليبية في الأراضي المقدسة)، فتزاوج الدين والسياسة من أساسات الحكم لضمان بقاء الحاكم وأسرته حكاما مدى الدهر، وتحقيق مصالحهم وأهدافهم وغاياتهم باستعمار وتدمير الشعوب ونهب ثروات الأمم المستضعفة، فودعت الأندلس تحت الحكم الإسلامي ثقافة التعايش والتسامح ليحل محلها منطق التعصب والقهر والتطهير والتهجير وإلزام الناس بترك معتقداتهم تحت حكم الكنيسة، ما بين ١٤٩٢ وزمننا هذا تنتقل الكاتبة عبر عشرات الفصول والعناوين لترصد في روايتها الكثير من الأحداث التاريخية والمواقف والمشاهد الدرامية ومزج الإسقاطات والمقارنات التاريخية بين زمنين تربطهما معالم الحمراء، حيث (كل هؤلاء البشر على استعداد للانتظار لساعات، وجميعهم راغبون في رؤية الحمراء، قصر المغاربيين الشامخ فوق المدينة. كان لافتا أن يكون للعرب قصر هنا، في قلب أوروبا)، حيث لم (يكن باستطاعة أحد التصور أن العرب كانوا قد حكموا هنا لمدة سبعمئة سنة متواصلة). لقد ترك العرب حضارة يقصدها العالم ليشاهد ما أنتجه عصر التسامح والتعايش وقيم العدل وسيادة القانون وحرية المعتقد … ويتأسفون إلى ما آل إليه تحالف قشتالة وأراجون من انحطاط أخلاقي وانهيار في القيم وتعصب ديني أعمى أدى إلى إرغام الملايين إكراها بالتحول عن معتقداتهم التي تسمى تاريخيا بالإسبانية (كونفرسوس) المتحولين من اليهودية إلى المسيحية، و(موريسكوس) المتحولين إلى المسيحية من المسلمين. هذا التعصب المعبر عن الحقد والكراهية ونبذ الآخر وتكفيره واحتقاره هو الذي دفع (إيزابيلا) حاكمة قشتالة متسائلة وهي في حال من الدهشة والانبهار أمام الحمراء (لماذا منح السيد الرب كل هذا الجمال لتصنعه بالذات تلك الأيدي غير المؤمنة؟)، وكأن الإيمان وقرب البشر أو بعدهم عن الرب يقرره ويحكم عليه إنسان ما وفق مقاييسه الشخصية، إنه التعصب الأعمى، السلاح الأخطر الذي دمر ولا يزال يدمر مقدرات الحضارات ويفتك بالملايين من البشر في الماضي والحاضر، وسيكون كذلك في المستقبل إن لم يخضع الإنسان نفسه للقانون الإلهي العادل.
يفيض شارع لارامبلا في قلب برشلونة، التحفة، ساحاته وأسواقه وأزقته وسلسلة معالمه وأبنيته القديمة التي لا نهاية لها للسائر على دروبها على غير هدى، فالإغواء والإغراء الذي تمارسه على البشر يتفوق على الطاقة التي تتجدد باستمرار وعلى التعب والجهد والمشقة من جراء مشي الساعات، فتستبدلها الساحات الصاخبة بالمسارح والمتاحف والفنون المتعددة وصوت الموسيقى والفعاليات الثقافية المنتشرة ورائحة القهوة المنعشة وعشرات الأطعمة التي تغطي سماء المدينة والجوالة من البائعين الأفارقة الذين يفترشون الأرض تحيط بهم عشرات السلع من الساعات والعطور والنظارات الشمسية والملابس والتحف التذكارية وآلاف السياح والسكان، بالنشاط والحيوية والإرادة والرغبة في اكتشاف المزيد من الثراء المعماري الهائل وأسرار المدينة التي تعبر عن أزمنة متعاقبة لتاريخ برشلونة وفنونها وتصاميمها المعمارية الأخاذة ـ يفيض شارع لارامبلا ـ بالبشر من مختلف الجنسيات، وتنتشر في ممراته الواسعة المقاهي والمطاعم الحديثة والفنادق والنزل القديمة والمحلات والأسواق التي تبيع مختلف السلع والمقتنيات والحرف التي يعشقها السياح، أما سوق الفواكه والخضراوات (لابو كويرا) أو سوق القديس يوسف لابو كويرا الذي أنشئ في ١٩ مارس ١٨٤٠م، واستغرق بناؤه (قرابة أربع سنوات)، ذو النمط المعماري الشعبي الذي يتوسط الشارع ويستقطب السياح بكثافة، فيعرض اللحوم والأسماك المجففة والمكسرات والحلويات والزعفران والفواكه والخضراوات التي تنتجها مزارع ومصانع إسبانيا، حركة البيع والشراء نشطة، وعلينا أن نقف في طابور طويل أمام المحاسب كلما فكرنا في احتساء فنجان قهوة أو شراء قنينة ماء. ولا تشعر الحافلات السياحية وهي تملأ جوفها بالسياح وتلفظهم في عشرات المحطات والمواقع الحيوية والمركزية بالوهن والتعب، إنها تسابق ساعات النهار صباحه ومساءه لكي تفي بوعدها في نقل الآلاف منهم إلى عشرات المواقع السياحية المنتشرة في مركز المدينة ومحيطها. قادتنا أقدامنا والرغبة في المزيد من اكتشافات هذا العالم المتقدم واستطلاع أسباب نهضته التي بدأت مبكرا، إلى ميدان (بورتال) في مدينة برشلونة، المطل على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ومن قمة البرج الشامخ المتعالي على كل ما حوله يطل نصب وتمثال الرحالة الإيطالي المعرف (كريستوفر كولومبوس)، في تصوير دقيق على صلف وغرور وقوة إرادة هذا المكتشف العنيد، الذي وقع اتفاقا مع (الملوك الكاثوليك الإسبان في ٣٠ أبريل ١٤٩٢ بمنحه مرتبة أمير البحار والمحيطات ومنحه ١٠% من الذهب والبضائع التي سيحضرها معه بدون ضرائب)، تذكرت لحظتها الملاح العماني (أمير البحار)، أحمد بن ماجد صاحب الفضل على كولومبوس في معظم اكتشافاته، والذي لا يكاد أحد يعرفه في بلادنا فلا معلم ولا شارع رئيسي ولا نصب يذكر الأجيال بمكانته، فللعلماء والشخصيات والحكام العظام الذين كان لهم شأن في تقدم البلاد ونهضتها وتحريرها وتوحيدها شأن وأي شأن من التبجيل والاحترام في بلدان العالم المتقدم، تبنى لهم التماثيل والأقواس والنصب في أفضل المواقع ليظلوا رمزا للأمة أحياء في القلوب ونموذجا ومثالا للأجيال تقتدي بهم في النجاح والعظمة والتفرد والعبقرية والدفاع وخدمة الوطن، فللتاريخ هنا حضوره وللأخذ بأسباب التقدم نحو المستقبل بقوة وثبات حظوظه، وهكذا هو شأن الأمم الحية ذات التاريخ العظيم التي ورثت المجد والتأثير والهيمنة على الأمم الأخرى، يحتوي النصب على مجموعة من التصاميم النحتية والزخرفة، وشارك في بنائه عدد من الفنانين وتم الانتهاء منه في العام ١٨٨٨م .

إلى الأعلى