الأحد 21 يوليو 2019 م - ١٨ ذي القعدة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: مجد على حد السيف!

باختصار: مجد على حد السيف!

زهير ماجد

أنت في الأساس موجوع ومهموم بحالة العرب وأوضاعهم، فكيف عندما تكتب وجعك الذي يضاعف إحساسك به ويعتدي دائما على جهازك العصبي.. ولهذا يعجبني من يكتب بعقل بارد، بحرارة متدنية أو بلا حرارة.
تقرأ ما يكتب أو بعضه عن حال العرب، واليوم أكثر المقالات عن الصراع الإيراني الأميركي .. كل له وجهة نظره، وكل يغرف من ثقافته السياسية كي يدلل على الطريق التي ستؤدي إليه صورة المشهد الذي صار وحيدا بين مشاهد تم نسيانها مؤقتا.
أحاول في هذا الوقت الذي تتغلب فيه عواطفي الوطنية ورأيي السياسي، أن أجد وقتا للمتعة الشخصية التي ما زالت حريتي في التعبير عن انتمائي لهذا العالم الواسع، وهي القراءات الثقافية بكل الأسماء التي بلغ الولع بها أن تعاد قراءتها مرات .. أن تقرأ نيكوس كازانتزاكيس أو تعود إلى مارون عبود أو تختار العقاد من جديد أو طه حسين وأن تتسلح بنوايا جبران خليل جبران الذي تسلط علينا في مطلع الشباب وله الحق أن يستولي على عقولنا المتفتحة آنذاك.
هي غابة من الخيارات إن أردت الخلاص من العبء السياسي وتفسيراته ومتابعة تفاصيله والالتزام دائما أن تكون بهويتك التي عرفك فيها الذين قرأوك أو سمعوا عنك .. أصعب الأشياء أن تكون ملتزما صاعدا في كتاباتك نحو الموقف الذي لا رجوع عنه، ثم تهبط فجأة إلى اللاموقف.
مشهد الصراع الأميركي الإيراني مشدود أمام عينيك، ما عليك سوى قراءة ما هو خلف الصورة .. هي الحقيقة، هي غير الكلام المباح الذي يقال من قبل ترامب أو فريقه، أو يقوله الإيراني .. صحيح أنه صراع جبابرة على ما يبدو، من عادة الجبابرة أن يقدموا دائما مشهدا مؤثرا من المواقف الصلبة المتصلبة التي لا تراجع فيها، بل تقوم على الكلمات المختارة التي توحي وكأن الحرب واقعة لا محالة أو أنها وقعت وتم لملمة ذيولها.
الكتابة ليست تعبئة فراغ، لكن الكاتب لا بد أن تتعبه الملاحقة والمتابعة وكثرة الجدية في اختيار النص الدائم للحالة القائمة .. الصعوبة او الخطورة ان تكون دائما جديا كما يقول أوسكار وايلد .. الجديون ينكسرون عند إفلاس خياراتهم أو إصابتها بسهام الصراع .. لا بد من العودة إلى الخيارات الشخصية التي قلنا إنها التصويب المنطقي لعلاج الكاتب السياسي من المشاهد التي تتصاعد فتأخذه إلى الاحتدام.
لا بد بالتالي أن يلجأ المرء إلى ما عبر عنه الشاعر التركي الفذ ناظم حكمت بالكتابة إلى أطفال لم يولدوا بعد، وبالسفر إلى بلاد لم يرها قبلا .. أجمل ما كتبه الزعيم الفيتنامي هوشي منه في وصيته أنها كانت مهداة إلى أطفال بلاده فيتنام وكان ذلك في عز صراعها مع الأميركي الذي يقدم مشهده دائما بصورة القوة الزائدة التي ستربح مشروعا، ثم تراه في الصفحة الأخرى مدافعا عن وجوده، فهل يفعلها هذه المرة وتكون صورة النهاية لمجد جالس على حد السيف؟
ثم ها هو الهم العربي لا يفارق إحساسك وكلماتك، أنت لا تختاره بل هو يختارك، يضعك في صلب صورته ويأخذك إلى معناه مجبرا، ورهانه على وطنيتك وقوميتك وحسك الإنساني ووجدانك المعتق بحب بلادك، بكل أقطارها العربية، ألم يكن شبابك الطلقة الأولى لإيمانك الذي لن يتزعزع على مر الدهور وما سيصادفك .. المناعة الوطنية ليست لعبة كلمات، إنها موقف.

إلى الأعلى