الأربعاء 23 أكتوبر 2019 م - ٢٤ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: متى سيصبح الدوام المرن خيارا استراتيجيا وطنيا للحد من الازدحام المروري؟

في العمق: متى سيصبح الدوام المرن خيارا استراتيجيا وطنيا للحد من الازدحام المروري؟

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية ما يمكن أن يحققه الدوام المرن من قيمة مضافة في حياة الفرد الموظف والمؤسسة على حد سواء، والنتائج المترتبة عليه في التقليل من حالة الازدحام والاختناقات المرورية، وبالتالي ما فرضته الاستثناءات الرمضانية لهذا الشهر الفضيل من أهمية البحث في سياسات وطنية تضع حدا لهذه الاختناقات المروية، عبر توظيف الأبعاد الإدارية والتنظيمية والتشريعية، للمرونة التي يتيحها للموظف والمؤسسة في وقت العمل والاتساع الذي يوفره في فترة وصول الموظف وخروجه.
وتقوم فكرة الدوام المرن على تحقيق المزيد من المرونة للموظف أو القائم على العمل في مختلف مواقع العمل المسؤولية، باختياره لوقت بدء الدوام الرسمي وفق ما تحدده المؤسسة شريطة استكماله عدد الأيام والساعات المقررة المنصوص عليها في القوانين النافذة في المؤسسات الحكومية أو الخاصة، فإذا كانت بداية الدوام الرسمي في شهر رمضان في القطاع الحكومي من الساعة (9-2) فإن الدوام المرن فيها يمكن أن يمتد عبر ثلاث مراحل متعددة أو أكثر من ذلك: (7.30—12.30) أو (8-1)، (9-2)، إذ من شأن هذا الفارق الزمني أن يوفر مساحات مرنة تتناسب مع رغبة الموظف وتراعي البعد المكاني من موقع العمل، والبعد الزماني الذي يستقطعه في الطريق، ويحسم حالة التأخر التي تحصل من الموظف، ينطبق ذلك على القطاع الحكومي بما فيه من مؤسسات أمنية أو مدنية، والقطاع الأهلي والخاص الذي له أوقاته المعروفة الخاصة به، بحيث تتيح المرونة في الساعات الثلاث الأولى، فرصة للموظف في اختيار ما يناسبه، في ظل رغبة وانتاجية وشعور بالأمان النفسي والفكري وهو يقدم إلى عمله غير مشتت التفكير أو أن تبدو عليه علامات القلق من التأخر عن البصمة، وهكذا يصبح الدوام المرن معادلة نجاح لبناء الإنتاجية النابعة من إدارة مؤسسية للمشاعر، ووقوف عند الاحتياج، ومنح الموظف فرصة أكبر لتصحيح أوقاته وفهم قيمة الوقت وأهميته فيمنحه المزيد من الاهتمام والتقدير، بالإضافة إلى البعد الآخر من المعادلة والمتمثل في تقليل الازدحام المروري الناتج من خروج جميع الموظفين بالوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات أو دخولهم إليه في وقت واحد، بحيث يختار الموظف وقت بدء دوامه وساعة المغادرة بما يتماشى مع طبيعة المهام والوظائف والاختصاصات التي يمارسها، مع مراعاة الخصوصية التي تعمل فيها بعض الإدارات الخدمية المعنية بالمراجعين كقاعات الخدمات الموحدة في المؤسسات الشرطية والمدنية وغيرها.
من هنا يطرح الوضع المروري اليوم البحث في استراتيجيات عمل وطنية تقرأ السلوك المروري في رمضان وغيره، في ظل ساعات الدوام الرسمي للقطاعات الأمنية والمدنية والقطاع الأهلي والخاص، وبقاء المشكلة واستمراريتها على الرغم من الجهود المبذولة من شرطة عمان السلطانية والإجراءات الوقتية المتخذة في هذا الشأن؛ يطرح أهمية التفكير في آليات وبدائل جديدة، تتجه إلى الاستفادة من الفرص المتاحة في العمليات التنظيمية والإدارية غير المكلفة ماليا، بما يتناغم مع طبيعة المرحلة الاقتصادية التي تعيشها السلطنة، وفي الوقت نفسه تقرأ في التشريعات ولوائح العمل مسارات أفضل لتعميق مفهوم المرونة المصحوبة بالوعي وبناء ثقافة مجتمعية قادرة على تجاوز مشكلة الازدحام، ولعل مطالبة المجتمع اليوم بزيادة عدد حارات “طريق مسقط السريع” لن يكون لها ذلك الصدى في الواقع في ظل المخططات السكنية والصناعية التي زحفت على الطريق حتى ألغت مسافة الأمان واالإحرامات المفترضة بين الشارع والمناطق السكنية أو الصناعية أو غيرها؛ ومسألة التفكير في طريق آخر في ظل الحالة المالية والاقتصادية التي تمر بها السلطنة أمرا غير متيسر التنفيذ حتى وقت قريب، كما أن التوقعات حول تنفيذ شبكة قطارات وطنية أو إقليمية لن يكون لها حضور في الواقع على السنوات القريبة نظرا لتعدد المتطلبات المالية لتنفيذها، بالإضافة إلى أن الطموحات في إيجاد شبكة نقل عام للموظفين لم يكن التنفيذ لها بذلك المستوى من القبول المجتمعي، أو الوعي والثقافة المجتمعية التي ما زالت تمجد مسألة القيادة الشخصية للسيارة وتعتبرها من أساسيات الحياة اليومية للمواطن، وما ارتبط بذلك من زيادة في عدد المركبات المستخدمة للطريق وأعداد المركبات الجديدة الداخلة في الخدمة، وزيادة في أعداد حاملي رخصة القيادة بشكل أضعاف ما عليه قبل فترات سابقة.
وبالتالي فإن الحديث عن التقليل من الازدحام عبر خطوط التأثير السابقة غير ممكنا وستظل المشكلة قائمة، بما يعني التفكير في توظيف مسألة المرونة في الدوام كأحد الخيارات الاستراتيجية التي ينبغي أن تحظى بالمزيد من الدراسة والتشخيص والوعي والمراجعة والتأطير والتشريع ورسم السياسات النافذة لها في الواقع، بما تؤصله من شعور إيجابي لدى الموظف مستخدم الطريق، بجانب التجديد والأريحية في التعاطي مع مفهوم العمل الرسمي، وتقليل حالة الروتين والرتابة اليومية، وما يمكن أن يصنعه من فكر المنافسة والحراك التطويري الداخلي في عمل المؤسسات، ومع أن واقع العمل الوطني يشهد وجود بعض التجارب الفردية التي تمارسها بعض الشركات ومؤسسات القطاع الخاص والأهلي، وتنتهجها بلدية مسقط في إدارة وقت افتتاح الأسواق التقليدية خصوصا في الفترات التي يتوقع فيها ازدحام كثيف في المناسبات الدينية والوطنية، إلا أنها ما زالت بحاجة إلى تأطير وطني وبناء فقه هذا السلوك ليتحول من ممارسة وقتية تنفذ عند الضرورات أو بحسب الاجتهادات أو المزاجيات، إلى سلوك عام وممارسة أصيلة تتجه بها إلى التنويع في الخيارات وزيادة مساحة المرونة في الفترات الزمنية المتاحة للموظف، مع المحافظة على مسارات الضبط والتقنين قائمة في ظل تحسين الأدوات الرقابية والضبطية، وبناء ثقافة مهنية في ذات الموظف قادرة على استيعاب المعطيات المرتبطة بالعمليات الإدارية اليومية والحضور والانصراف والبصمة، بما يعزز فيه منطق الدوافع والتجديد والتطوير والتحسين.
عليه، فإن المرجو اليوم قراءة واعية لمساري الإنتاجية والوضع المروري، وصياغة جذرية لمفهوم توقيت الدوام الرسمي وما يحمله من تبعات، وإعادة هندسته وتنظيم هيكلته الإدارية والفنية وتعميق البعد الاستراتيجي الإنتاجي والمهني وإدارة المشاعر وترقية قيمة الوقت في سلوك الموظف، وتبني في الموظف مفاهيم إدارته وترتيب الأولويات وتعزيز الاختيار الواعي من بين أكثر من بديل، وتأصيل المنافسة، وقياس الأداء المؤسسي في ظل مؤشرات النجاح المتحققة، وهي معينات باتت المؤسسات بحاجة إليها في بناء ثقافة الجودة وتنشيط الممارسة المؤسسية الراقية ومعالجة حالة الخمول الذهني أو الفكري والنفسي التي يمكن أن يكون وقت الدوام وما يعايشه من ازدحام وإشكاليات أحد معوقات الإنتاجية، على أن نقل هذا الموضوع ليصبح ممارسة مستدامة وسلوك أصيل يخضع للمزيد من الاعتبارات والمعايير الفنية والضبطية والتنظيمية التي أشرنا إليها، فرصة لإعادة النظر في التشريعات الإدارية في منظومة الخدمة المدنية والجهاز الإداري للدولة، فإن ما يحمله شهر رمضان من استثناءات سنوية تفرض في واقعنا الاجتماعي العام أو الوظيفي العديد من التحولات والممكنات التي ينبغي الوقوف عندها، فنصنع من خلال مقاربة بين فترتين زمنيتين مرحلة متقدمة في الإنجاز الإداري النوعي بما تستدعيه من الجاهزية المهنية والفكرية التي ينبغي أن يتعاطى معها الوظف بمهنية عالية، وما يؤسسه في الوقت نفسه من سلوك الخيرية في الحياة الذي لم يعد يقتصر على سلوك المسلم أو المواطن الشخصي بل أيضا في القناعات الإيجابية التي يحملها حول العمل والإنجاز والمبادرة والتطوير المؤسسي، فتنشط فيه دوافع المبادرة، وتبني فيه معايير الالتزام، وتؤصل فيه قيم العمل وأخلاقياته التي ستنعكس على ممارساته الوظيفية ومهامه، ونعتقد بأن ما تمارسه بعض الشركات في رمضان من مرونة في التوقيت عبر وجود أكثر من خيار مطروح في نظام توقيت ساعات الدوام الرسمي مدخل للبدء في قراءة هذه الخيار بطريقة أكثر مهنية واستدامة، وتقوية جهود العمل الداعمة لهذا التوجه من خلال قراءات استقرائية للواقع المهني والاجتماعي، ودراسات موضوعية ترصد حجم التأثير الناتج من المرونة في الدوام وما يتعلق به من تطوير في منظومة التشريعات والإجراءات واختصارها، وتقليل الروتين الإداري والمالي، وتكوين ثقافة مؤسسية مرنة تتعامل مع التجديد بسهولة وتدرك فرص نجاحاته بما يوفره من مسارات على الجانب النفسي والفكري والدوافع الإيجابية في الموظف، وعلى جانب حجم التشغيل وسرعة الإنجاز وجودة الإنتاجية للمؤسسات.
وأخيرا لم يعد طرح الدوام المرن ترفا إداريا أو سلوكا شخصيا تتخذه الجهات المعنية بالدولة عند الضرورة، فإننا نعتقد بالحاجة إلى أن يُقرأ فقه الدوام الرسمي المرن وفق سياسات وطنية عليا عبر تأطيره الفكري والمهني والتشريعي وقراءة العائد الناتج منه ودوره في تقليل إشكالية الازدحام المروري أو غيرها، نظرا لما يقره من ميزات تنافسية على مستوى الفرد والمؤسسة، وبالتالي أهمية الحوار الوطني حول بناء المنصات التفاعلية بشأنه، وتشخيص الحالة المؤسسية واقترابها من فكرة التطبيق والفرص والتحديات، آخذة في الاعتبار الاستفادة من تجارب بعض المؤسسات الخاصة في رمضان بشكل يراعي كل المعطيات والجهود المبذولة في الحد من الازدحام المروري التي نعتقد بأن لها انعكاساتها على سلوك الموظف وقناعاته وكتلة المشاعر التي يحملها في ذاته، ومع ذلك فهو ليس العصا السحرية في حل مشكلة الازدحام المروري التي تتداخل فيها الكثير من العوامل والمؤثرات وتتفاعل معها العديد من الأجندة بدءا بالفرد مستخدم الطريق ذاته بكل أفكاره ومشاعره وأحاسيسه والظروف التي تحيط به، ثم الطريق، والظرف المناخي، والقوانين والتشريعات النافذة وثقافة المجتمع، فهل سنستفيد من تقييمنا للحالة المرورية الخانقة في رمضان، في إعادة التفكير في “الدوام المرن” كخيار استراتيجي ينبغي أن تتجه إليه الأنظار وتجند له الطاقات وتوفر له أدوات التشخيص والتحليل والمراجعات، في ظل انتفاء التكلفة المالية المرهقة له وتحقق الميزة التنافسية فيه؟

إلى الأعلى