الجمعة 24 مايو 2019 م - ١٨ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : هل نتعلم من رمضان ثقافة احترام المبادئ؟

في العمق : هل نتعلم من رمضان ثقافة احترام المبادئ؟

د. رجب بن علي العويسي

رمضان شهر عظيم يجمِّل حياة المسلم، بما يؤصله فيها من قواعد سلوكية ومبادئ أخلاقية وقيم إيمانية تحفظ إنسانية الإنسان واستحقاقات تكريم الله له، في سمو فضله وعظيم قدره وكريم منزلته، فقد أوجد الله فيه من الفضائل والخيرات والبركات والنفحات الإيمانية ما لم يكن في غيره من المواسم والشهور، تسمو بالإنسان وترقى به في العالمين وتعزز حضوره وتؤسس في ذاته قيمة الحياة في ظلال المبادئ، الإيمانية والأخلاقية والإنسانية والاجتماعية والربانية، التي ارتكزت عليها معالم الصوم واحتواها فقهه، بما يعزز فرص التأثير والاحتواء التي يعكسها على شخصية المسلم وهويته ووعيه، في حكمة القول وهيبة الصمت ودماثة الخلق وذروة المبادرة والعطاء والإنجاز، فيؤسس حياته على نهضة المبادئ وترقيتها وتعميق الإيمان بمقتضياتها وتأصيلها في فكره وقناعاته وأخلاقه؛ ممارسة أصيلة وسلوك مستدام يتفاعل معه بكل أريحية وصدق اختيار ورغبة في تحقيق أعلى المكاسب الأخروية، فيؤسس في ضمير المسلم مبادئ المسؤولية وحفظ العهد والتزام الصدق والأمانة مع الله والنفس والآخر، ويلتزم ما أقرته الشريعة من أحكام الصيام وآدابه وشروطه وقواعده وأصوله وعقيداه وفقهه، باعتبارها وقفات لبلوغ الغاية الكبرى من الصوم وهي تقوى الله، فيصنع منه إنسانا واعيا بمتطلبات تحقيق هذه الغاية والوصول إلى الهدف، فيراجع نفسه ويبني ذاته ويعزز الإيمان في قلبه ويحترم مبادئ الصوم فيثق عند حدودها ويلتزم بها التزاما نابعا من شعوره بالنقص ورغبته في تحقيق الكمال البشري، فتقوى في ذاته قيم الصبر والإخلاص والأمانة والمسؤولية، ويصبح التزامه بهذه المبادئ طريق نجاحه وسعادته ومصدر قوته وتميزه ونجاحه، استجابة لقول الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والسلام فيما في الحديث القدسي عن ربه تبارك وتعالى “الصوم لي وأنا أجزي به الجنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرئ صائم” وقوله عليه الصلاة والسلام: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه” إنها مبادئ تقوم عليها حقيقة الصوم، بما تتطلبه من احترام لهذه المبادئ والتزام بها واعتراف بأحقيتها وإيمان وتصديق بمقتضياتها ليصل إلى درجة القبول واستحقاقات التقوى.
ومعنى ذلك أن رمضان، يعلم الإنسان قيمة المحافظة على المبادئ في الحياة وأهمية العمل بها والتزام معاييرها ومتطلبات أدائها والوقوف عند حدودها ومراجعة النفس عن أي تقصير فيها، ومسؤوليته عن أي خلل في التوازنات التي يفترض أن تصنعها هذه المبادئ الرمضانية وتؤسسها على مستوى الفرد ذاته وعلى مستوى المجتمع والأمة بأجمعها، إن حقيقة التزامه بمبادئ الصوم وقواعد العمل الرمضانية وإدراكه لما تمثله من ثقل في ميزان التوى والعدالة الإلهية، تجعل منه إنسانا محاورا يعترف بالآخر، ويعي مسؤولياته نحوه، ويقدر إنجازه وجهده، ويحترم رأيه وفكره، فلا يرفث ولا يفسق ولا يسب ولا يعتدي ولا يغتاب ولا يتكبر، وعندها تتكون في ظلال هذه المبادئ شخصية أخرى تمتلك إرادة التغيير ومسارات التميز، فيصنع في ذاته القدوة ويعي مسؤوليته في نقل رسالة هذا الدين في تسامحها وتعايشها ووئامها وحكمتها ويسرها وعظمتها للعالم أجمع، ويدرك في الوقت نفسه أنه بحاجة أيضا إلى هذا العالم، كونه مدنيا بطبعه لا يستغني عن بني جنسه، وأن هذه المبادئ ما هي إلا مشتركات أخلاقية يجب العمل بها، والإعلاء من قيمتها، والسير على نهجها وتلمس القوة فيها، على مستوى الفرد نفسه أو المجتمع بفئاته وشرائحه المختلفة، لتتسع نتائج التزامه بهذه المبادئ على مستوى العلاقات الدولية وتعزيز السلام العالمي، وتصبح هذه المبادئ التزاما أخلاقيا يمشي على الأرض، وسلوكا مسؤولا يتجه إلى بناء محددات القوة ومؤطرات النجاح في حياة الأمة.
عليه، فإن تأسيس هذه المبادئ الرمضانية بما تدعو إليه من يقين وثقة، وتصحيح للنفس ومراجعة للضمير، وتقوية لعرى الإيمان، وتعميق للقدوة وترقية للأخلاق، ودعوة لغراس البر والصدقة والخير والتعاون والشعور في الآخر: اليتيم والضعيف وذي الحاجة، في حياة المجتمعات، وممارستها على مستوى سياسات الدول بثبات ومصداقية ومهنية، باعتبارها مبادئ أخلاقية، تعبر عن هويتها الإسلامية، ومسؤوليتها نحو هذا العالم الواسع الذي تربطه بها علاقات حسن الجوار وشراكات إقليمية وعالمية وبروتوكولات واتفاقيات وممكنات داعمة لتحقيق تحولات إيجابية في حياة المجتمعات وتعزيز فرص تبادل المصالح وتوليد الفرص، ليعيش العالم في أمن وأمان وسلام واستقرار، بحيث تصبح هذه المبادئ قواعد حاكمة للسلوك الأصيل لا يجوز الحياد عنها، فتتأصل في النفس والسلوك قيمة المبادئ، ويدرك العالم أن التنازل عنها أو محاولة إقصائها مدخل لانعدام الثقة وزيادة هوة الخلاف وفهم يتنافى مع ما تؤسسه هذه المبادئ الرمضانية من دعوة الأمة إلى تحقيق مسارات الخيرية التي استحقتها والوسطية التي تميزت بها لتكون أمة شاهدة على الناس.
على أن ما يحصل في واقعنا المعاصر بين أبناء الأمة اليوم من أحداث، وما تعيشه بعض بلدان المسلمين من قلاقل وفوضى وتدخلات وفتن وحروب وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان والأوطان، وانحراف في الفكر ونزوع إلى الأنا والذاتية، وحالة العداء التي تعيشها الأمة، وثقافة الخوف التي زرعت في حياة إنسانها، في ظل سياسة الكيل بمكيالين ومحاولة فرض سلطة الرأي الواحد، وما أفرزته من لغة خطابية وإعلامية تتنافى مع كل المبادئ والقيم والأعراف الدولية، قائمة على تعميق الفجوة وإثارة الفتنة والمذهبية والنعرة وتعميق هوة الخلاف بين الشركاء، بما تحمله من ممارسات تفتقر للغة احترام المبادئ، وفرض سلطة القوة والنفوذ واتباع سياسة الحصار والتجويع وإثارة الفوضى والتهديد، على الرغم من وجود القانون الدولي، وقواعد العمل الدولية، ومبادئ الأمم المتحدة، ومجلس الأمن ومبادئ جامعة الدول العربية ودول عدم الانحياز وغيرها، والبروتوكولات العالمية حول السلام وحقوق الإنسان والبيئة والتراث المادي وغير المادي، في سبيل تحقيق السلام العالمي وتعزيز عرى التعاون الدولي وتنظيم العلاقات وضبط المسارات وتوجيه قنوات التواصل والاتصال لتحقيق السلام ونشر قيم الأمن والاستقرار وتعميق الشراكات الإقليمية في مجالات التنمية والبيئة والامن، وإزالة أسباب الخلاف وبناء مجتمع السلام والتعاون بين دول العالم وتقريب وجهات النظر في العديد من المسائل الدولية، وفق مبادئ معروفة تؤكد عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، وفض النزاعات بالطرق السلمية، وفرض لغة الحوار في حل الخلافات بين الدول، واحترام حقوق الجوار وحق الشعوب في تقرير مصيرها والتزام لغة الحوار والتواصل الإنساني كأولوية في مواجهة النزاعات المسلحة، والحد من المواجهات التي باتت تسيء للتنمية وتعرض الشعوب والموارد للهدر والاستنزاف وغيرها؛ كل ذلك وغيره يؤكد الافتقار إلى ثقافة احترام المبادئ والثبات فيها والمصداقية في تطبيقها. فضاعت المبادئ في مهب الريح وقذفتها عوامل التعرية والتدخلات الجانبية والمزاجية حتى أفقدتها حضورها، وأصبحت حبرا على ورق ومستندات، وأوراقا على الواجهات، ومقدمات للإعلانات والبروتوكولات العالمية متجانفة مع الواقع، خاوية من مضمون الفعل.
من هنا كانت الحاجة إلى تبني ثقافة احترام المبادئ التي أصلها شهر رمضان وفقه الصيام، كأولوية يجب أن يتعلمها الأجيال، يحافظون عليها ويقدرون القيمة المضافة للحياة في ظلال المبادئ، كونها الرهان الذي يمكن خلاله بناء منصات الالتقاء وجمع الشمل ووحدة الكلمة وتأصيل المشتركات بين البشر والمؤتلفات في القيم، وممكنات الشراكة وموجبات القوة، ومحددات التميز، وما أجمل أن يجد المسلمون في رمضان حلا لعقدة واقعهم المملوء بتجاوز المبادئ والازدواجية والمزاجية في التعاطي معها واختلاسها واختزالها المستمر عندما يتعلق الأمر بالآخر، وبناء إرادة الوعي التي تصنع من الالتزام بالمبادئ في كل مجالات الحياة اليومية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والأمنية والفكرية والبيئية والتعليمية وغيرها، بما يؤسسه حضورها في الفكر والشعور من إنتاج القوة في شخصية المسلم، بحيث تضع الأمة هذه الثقافة محل اهتمامها والتزامها، فتؤصلها في سلوك أبنائها وفي نظام تعليمهم ونظام الحكم والسياسة، ليسود السلام والأمن والطمأنينة.
إن الأمة اليوم بحاجة إلى أن تتعلم من مبادئ رمضان محطات نجاحها وضمانات هويتها وأصالتها ومعايير تفوقها ونجاحها، فتتميز الشخصية المسلمة بحبها للسلام ورعايتها له والتزامها المعايير الأخلاقية والمشتركات التي تربطها بالعالم من حولها، وهو ما لا يتحقق إلا في ظل شعور الجميع بقيمة هذه المبادئ والأخلاقيات واعترافه بها وإيمانه بما تشكله من قيمة مضافة ناتجة من المحافظة عليها وإعادة إنتاجها بشكل يحفظ للمجتمع أرصدة المنافسة، فهل ستستفيد الأمة من حرصها على احترام مبادئ رمضان وقواعد العمل والسلوك فيه والأخلاقيات التي يقرها ويأمر بها أو تلك الزواجر والممارسات التي ينهى عنها فتتعدى الصوم حالة الاستهلاك الوقتي للطعام والشراب والغذاء، إلى بناء الضمير وتنقية الروح وترقية الإيمان وتصحيح المفاهيم والسمو بالنفس فوق كل ملذات الحياة، بما تشكله هذه المبادئ من صناعة تحول في واقع الأمة وسلوك قياداتها ومسيرة تطورها وتقدمها ونهضتها لتسهم بدور أكبر في إعادة هيكلة الواقع الدولي، وتصحيح مساره في ظلال المبادئ والأخلاقيات والموجهات الإيمانية، لتتحول حالة التهور والخلاف التي تعيشها الأمة إلى شعور جمعي بأهمية الوصول إلى رأي مشترك وعمل متقن يوجه بوصلة العمل فيها إلى ترقية الوعي وتنقية الشوائب وإزالة الضغائن والأحقاد وحالة الضبابية وعدم الوضوح وسوء الظن والشكوك والأوهام وعدم الثقة، التي أوقعت بين الأخوة والأشقاء في الوطن الخليجي والعربي والإسلامي، وتبقى مسؤولية الأمة اليوم في صناعة مواقف مشرقة ونماذج حضارية، تقدم للعالم خلالها رؤيتها في العمل المسؤول من أجل السلام والتنمية، وتوجيه عقديتها وفكرها نحو بناء منصات الحوار والتواصل والعلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل للمبادئ في أصالتها ومهنيتها وثباتها ومصداقيتها، ليسود عالمنا السلام والمحبة والتعايش والوئام.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى