الجمعة 24 مايو 2019 م - ١٨ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أليس الفساد يبطل الصوم؟!

أليس الفساد يبطل الصوم؟!

فوزي رمضان
صحفي مصري

مع رغبة كثير من الصائمين في قضاء فريضة الصوم بلا مفاسد، والحرص على تجنب المبطلات، تكثر الفتاوى طيلة هذا الشهر المبارك؛ فمن تساؤل عن خوف من ابتلاع الجوف نقطة ماء، أو تطيب بالعطور واشتمام البخور، ومن خضوع كافة الأدوية المعالجة والجراحات الطبية لعموم أحكام الفتوى، إلى “شطاف” الحمام الذي لم يخلُ من الجدل كأحد مبطلات الصيام. ومع المبالغة الشديدة من جمهور المسلمين في البعد كل البعد عند مفاسد الصوم، والتي تنحصر جميعها في الجانب المادي من متاع الحياة، أتساءل وبحسن نية: هل الصوم امتناع عن متاع فقط، وابتعاد عن شهوات النفس ليس إلا؟ أم تألم ومعاناة، كما يتألم ويعاني الفقراء؟ ولما كان هؤلاء الفقراء يصومون ويتألمون من الجوع والعطش أيضا، إذن تكون الحكمة والموعظة أن نصوم عن سرقتهم، ونبتعد عن أرزاقهم، ونتجنب نهب حقوقهم، ونتفادى السطو على مقدراتهم.
الحكمة أن نصوم أيضا عن النهب والفساد، أن نصوم عن الرشى والمحسوبية، فتبا ثم تبا لمن يملكهم كل الحرص من عدم ابتلاع نقطة ماء في حلوقهم ولا يخشون أكل حقوق الناس في بطونهم، يؤرقهم نسيم العطور، ولا يخجلهم السطو على المال العام، تبا لمن يصومون عن متاع الحياة أياما معدودات، ولا يصومون عن السرقات الكبرى طوال العام، تبا لمن يقضي صيام رمضان في تعبد واعتكاف، وورع وسخاء، ثم يخرج من هذا الشهر الفضيل، الظالم ظالما، والفاسد فاسدا، والمؤذي مؤذيا، والإرهابي الذي يقتل البشر، ويهدم الحجر يخرج إرهابيا قاتلا كما هو.
الفقراء هم اختبار إنسانية البشر، هم الامتحان الصعب، للترقي إلى مصاف الصالحين، هم السبيل لإرضاء الله تعالى، هم الطريق المستقيم لكسب الثواب والمغفرة الحسنة، لذا لا توجد عبادة فرضت على البشر تكفر عن خطايا الاعتداء على مال الفقراء، لم يسامح الله من يسرقهم ويستولي على أقوات ذويهم.. وبدون إحصائيات وبالعين المجردة من السهل إحصاء الفقراء، بكثرة اللصوص وناهبي المال العام، بكثرة الرشى والمحسوبية، بكثرة الزور والتزوير، بكثرة امتهان المال العام وسلب حقوق العباد.
الشعور بالفقراء هو الانضباط الأخلاقي الذاتي بأن لهم حق الحياة، ولهم الحق في كل أموال المجتمع، ولهم الحق في العيش الكريم، وليس سرقتهم والسطو على لقمة عيشهم، والتأفف من مجالستهم، والتعالي على بساطتهم، والتغاضي عن أوجاعهم، كل الفسدة والمرتشين واللصوص، صاموا سنوات عدة، ولم يتغير في الأمر شيء، ولم تنفع دروس الصوم ومدرسة الوعظ، لم يفلح امتناعهم عن متاع الحياة شهرا أن يمتنعوا عن سرقة الفقراء وسلب أموالهم طوال العام، لم تنجح الدورة التدريبية المكثفة ولمدة شهر كامل أن تنقذ الفقراء من مخالب اللصوص وناهبي المال العام.
يتلقى المسؤولون الفاسدون في البلدان النامية رشى كل عام تقدر بـ40 مليار دولار، وأن 40% من رجال الأعمال يدفعون رشى عند التعامل مع مؤسسة عامة.. وهنا السؤال: ألم يصم هؤلاء المرتشون من قبل؟! وقيمة الرشى في كل عام تبلغ 100 مليار دولار، إضافة إلى المبالغ المسروقة، والتي تبلغ 5% من الناتج المحلي في تلك البلدان.. الفساد في القطاع العام يمتص مبالغ طائلة تبلغ 2% من ميزانية الدول الفقيرة، حيث تؤكد منظمة الشفافية العالمية أن الفساد يمخر في عظام الدول النامية من مفرق الرأس حتى أخمص القدم، ولا تزال الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ ممارسات يومية تشل النخاع الشوكي لبعض المجتمعات العربية.
لم تكن العبادات عند بعض الناس سوى أداء آلي وظاهر وتمثيل أكثر ما هو ورع وتقوى الله، وباطن للخير ونفع للعباد. أوليس من يخشى نزول نقطة ماء في جوفه أن يخشى أيضا أن يأكل أموال غيره بالباطل؟ ألم يخشَ جمع المال بالسرقة والابتزاز والسطو على حقوق الآخرين؟ ألم تردعه الآيات القرآنية غليظة التحريم عن الاستيلاء على مال الفقراء بغير حق؟ إذن ما طال من صوم إلا جوعا، وما كسب من عبادة سوى عطش ليس إلا.
لقد فشلت أعتى الدساتير، وأشد القوانين غلظة في مكافحة الفساد في العالم، وليس في البلدان النامية فقط، لكن مؤشر الفساد يتصاعد تلقائيا في تلك الدول التي يتراجع فيها مؤشر الحريات والصحافة والمجتمع المدني، والوازع الديني المستقيم، كونها إدارات رقابية ومحاسبية بجانب السلطات الرقابية الحكومية.
لكن عندما نعرف أن الفساد إثم، والمحسوبية رجس من عمل الشيطان، وأن السطو على المال العام من المفاسد التي لا تقل عن القتل، في إزهاق مقدرات الشعوب، عندما نعرف أن الرشى من النجاسات، والسطو على مال الآخرين من الموبقات، وأن سرقة الفقراء من المعاصي والآثام، عندما نعلم كل هذا، بالتأكيد سنعرف أن الفساد من مبطلات الصوم.

إلى الأعلى