الثلاثاء 25 يونيو 2019 م - ٢١ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الوشاية ونقل الأخبار

الوشاية ونقل الأخبار

.. ولعل بعض العلماء يقول في سبب ذكر ياء المتكلم هنا أنهم كثيرون ويجيبهم على اختلاف تقواهم وإيمانهم ودرجة قربهم، وأنهم لم يصلوا بعد إلى منزلة:(عبادِ) دون ياء أولئك الذين هم قريبون من (عبادي) بالياء، وأن حذفها يكون مع قلتهم وزيادة إيمانهم وشدة قربهم، وهو على كل حال رأي معتبر وإن كنت أقول هنا: إنها قد جاءت الياء هنا تشريفاً لهم وتكريماً لصنيعهم، وليس لكونهم كثيرين غير متصلين اتصالاً كبيراً بالله، لكنَّ ذكْر الياء هنا هو إيناسٌ لهم، وحنوٌّ عليهم، ورحمةٌ بهم، وتقريبٌ لهم، ومحبةٌ لطاعتهم، وفي توكيد الجملة بـ(إنَّ) ما يدعو إلى تثبيت المعنى، وتقويته، وتعميقه في نفوس الطائعين لله، الصائمين، الداعين لله، السائلينه باستمرار كثيراً.
ولعل توسط آية الدعاء بين أحكام الصيام ما يبيِّن قيمة الدعاء، وأهميته، وخطورته في كل مناحي الحياة، وألوان الطاعة، وأنه لابد أن يصاحب المسلم في كل وقت وحين، وأنه وقودُ كلِّ عمل، وطاقة كل طاعة، وهو معراج المؤمن في الصوم وغيره، وقد ورد أن للصائم دعوةً مستجابة سواء عند فطره، أو تمتد طوال النهار، وله كذلك فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه،ثم قال بالفعل المضارع الذي يعني الاستمرار:(أجيب دعوة الداعِ) مباشرة بذاتي العلية أجيبها، وبشكل مستمر، فإن المضارع يفيد في أصل وضعه الاستمرار والحدوث، والداعي معرَّف بأل، أي المسلم الذي اعتاد أن يرفع أكفَّ الضراعة باكيًا، منيبًا، خاشعًا، مستسلمًا، مخبتًا، باكيًا لله، و(إذا) تفيد الاستمرار، وتحقق الحصول، أيْ: أنه لا غنًى له عن ربه، فهو سيسأله، وهو سيدعوه في كل وقت، والله سيستجيب إليه في كل مرة، إنْ عاجلا يعجِّل له بالجواب في دنياه، أو يدخره له في أخراه، ثم تأتي الفاء التفريعية التي تعطف الجواب على الشرط المحذوف:(فليستجيبوا لي، وليؤمنوا بي)، أيْ: إن كانوا قد عَرَفُوا ذلك عني، وأخلصوا عباداتهم من أجلي، فليستمروا على ذلك وليستجيبوا لكلامي، ويعملوا بأحكامي، ويزدادوا بي، ولي إيمانا، وضمير التكلم (لي ـ بي) يريح، حيث إنه توحيد تام، وصفاء كامل في العقيدة، يرتاح معه القلب، ويطمئن به الفؤاد، وهو يقدِّم طاعته لله وحده لا شريك له، وكله ولاء لله، وإخبات لعظمته، وتعظيم لشأن ـ جلَّ في علاه ـ وهي لامات أمر في الفعلين المضارعين (يستجيبوا ـ يؤمنوا)، والنتيجة الحتمية التي يحصلها الداعي هي الرشاد والصلاح والاستقامة:(لعلهم يرشدون) و(لعل) من الله موجبة، أيْ متحققة تمام التحقق، حاصلة تمام الحصول، وهو كذلك كناية عن تمام الرحمة، وكمال العطاء، وسعة العناية الإلهية، وجلال العناية الربانية.
يقول الله تعالى:(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة ـ 187).
يستأنف القرآن الكريم الكلامَ عن أحكام الصيام، وما يُحَلُّ فيه، وما يحرُم، فجاء بالفعل الماضي المبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، أو المبني للمجهول (أُحِلَّ) على رأي البصريين ليبين معنًى لطيفًا، وقيمةً دينيةً كبيرةً، وهي أنَّ مَنْ له حقُّ التشريع، والتحليل، والتحريم هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، ولمَّا كان متيقَّنًا بين المؤمنين أنه لا حقَّ لأيِّ مخلوق في التشريع، وأنه حقٌّ لله وحده كان الفعل قد بُنِيَ لما لم يُسَمَّ فاعله، والأصلُ:(أحل الله لكم ليلة الصيام كذا وكذا)، ويأتي حرف المعنى اللام في قوله:(لكم) ليكشف عن طبيعة التشريع الإلهي، وأنه يُشَرَّعُ دائمًا لصالح الإنسان، ولنفعه، وأنه يكون لخيره، وصلاح دنياه وآخرته، (أحل لكم) أيْ: لكم، دون غيركم، فأنتم مخصوصون به، وهو وقف عليكم، دون مَنْ هم سِوَاكم من أهل الأديان الأخرى، فشبه الجملة (لكم) متعلق بالفعل (أُحِلَّ)، أو في محل نصب حالا، أيْ هو حلال حالةَ كونه لكم وحدكم، أيْ لنفعكم، ولخيركم، ولصلاحكم، فكلُّ ما يحلِّله الله هو نفع لكم، وقوامُ حياتكم، ولِتقوم به دنياكم، وينصلح من خلاله شأنُكم، وقد حُذِفَ الفاعلُ هنا، وأُنِيبَ عنه المفعول:(الرفث) للعلم بالفاعل، وأنه لا يخفى على كل مسلم، وأن الاعتقاد يجعل الصائم لا ينساه أبداً، ولا يحتاج لأن يقال له:(أَحَلَّ اللهُ لك كذا وكذا)، فهو موقن بمَنْ يُحِلُّ ومن يُحَرِّمُ، وأنه على علم تامٍّ، وإدراك كامل بقضية التشريع، ومطمئنٌّ إليها، يعمل بها يقينًا لأنها من الله ـ جلّ في علاه ـ وجاء (الرفث) معرّفاً بـ (أل) مكنًّى به عن اللقاءِ بين الزوجين، وفيك كناية عن الجِماع، ولكنه خرج مخرجَ الحياء، على طريقة أسلوب القرآن الكريم في أمور الوقاع، وشؤون اللقاء، يُكَنِّي عنها دائمًا، ويلمسها من بعيد، على شاكلة قوله تعالى:(وقد أفضى بعضكم إلى بعض)، وكما ما هو هنا من قوله عزوجل:(.. الرفث إلى نسائكم)، فيحفظ على المسلم الصائمِ ماءَ وجهه، ويزكِّي فيه حياءَه، وخجلَه، ويرتفع به إلى عُلا الأخلاق، وكمال الشيم، حيث ضُمِّنَ (الرفث) معنى الإفضاء؛ ومن ثَمَّ عُدِّيَ بحرف الجر (إلى)، أيْ: أفضى إلى، كما قال تعالى:(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) (النساء ـ 21).

إلى الأعلى