السبت 17 أغسطس 2019 م - ١٥ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رمضان والأكل والتقاليع

رمضان والأكل والتقاليع

أحمد مصطفى

يرتبط شهر رمضان المبارك بعادات كثيرة لدى شعوب منطقتنا المسلمة، منها أطعمة مرتبطة بشهر الصيام ـ على الأقل لدى من ما زالوا يعرفون “المواسم” ولا يستطيعون الحصول على الخضراوات والفاكهة مثلا في غير موسمها. ومع أن شهر رمضان هو شهر الصوم، والحكمة منه بالأساس هي شعور المسلمين بحاجة فقرائهم نتيجة الجوع والعطش في نهار أيامه، إلا أن الشهر غالبا ما يكون فرصة للإكثار من الطعام والشراب إلى حد الإسراف في أغلب الأحيان. وقد أصبح من تقاليد رمضان كثرة العزائم والولائم بما فيها من وفرة الطعام والشراب. كما أن الشهر الفضيل أصبح عبئا على الأسر التي تعاني من ضيق ذات اليد.
للأسف الشديد، وفي ظل ما يشهده رمضان في الأعوام الأخيرة من مآسٍ في بلاد المسلمين هي أبعد ما تكون عن التقوى وسمو الروح في هذا الشهر الفضيل ما عاد المرء يرى ما يستحق الكتابة عنه في الشؤون الجارية. حتى الفن، خصوصا الدراما التي ارتبطت تقريبا بشهر رمضان، لم تعد تستحق الاهتمام لخلوها من أي إبداع أو حتى حرفية. ويكاد ينطبق هذا التردي والتراجع على كافة مناحي الحياة، باستثناء الأكل. ومع غياب الإبداع عن مسلسلات رمضان التلفزيونية، انحصر بعض التجديد في الطعام وصنوفه لكنه أيضا أقرب لما يمكن وصفه “تقاليع” منه إلى الابتكار. ومثال على ذلك، أشهر ما يتندر به المصريون الآن وهو “سحور البيض المدحرج” ـ وهو ليس بابتكار وإنما تسمية ترويجية للبيض المقلي قليلا بعد سلقه تستخدمها المطاعم تكئة لرفع الأسعار باعتباره اختراع أكل جديد.
وبما أننا في حديث الأكل وتقاليعه، وإن لم يكن بمناسبة رمضان وما يجري فيه من تغيير في نمط حياة الناس في بلادنا، نشير إلى ما أصبح يلاحظه كثيرون ممن يتسوقون في المحلات الكبيرة من زيادة مساحة الأماكن المخصصة لعرض ما تسمى “الأطعمة الصحية”. ولعل البعض أيضا سمع من بعض من حوله عن “فوائد تغيير نمط الغذاء”. هذا إذا لم تكن من المستهدفين بالدعايات المبتكرة على وسائل التواصل أو غيرها ترويجا لهذا المنتج الغذائي الجديد أو ذاك. بدأت تلك الموجة من فترة بترويج “المكملات الغذائية” و”المستخلصات الطبيعية” التي تقوى الجسم وتحميه .. إلى آخر تلك الاختراعات. والحقيقة أنها في أغلبها لم تكن أمرا جديدا، وإنما إعادة تشكيل وابتكار في الترويج لمستخلصات من نبات أو حيوان كان جدودنا وجدودهم يستخدمونها أيضا، لكن بالطبع ليس في هيئة كبسولات أو أقراص ولا نشرات دعاية تفصل مكوناتها الكيميائية وفوائدها البيولوجية.
ومع تشبع السوق بتلك المكملات والمقويات احتاجت صناعة الغذاء إلى ابتكارات جديدة لخلق أنماط استهلاك أخرى تحافظ على الصناعة وتزيد الأرباح. ولأن الابتكار في العالم يكاد يتراجع عموما، فلجأت شركات تصنيع الغذاء إلى “إعادة تدوير” أفكار موجودة مع تشكيلها وتغليفها تسويقيا بطريقة تجعلها صيحة (أو تقليعة) تجذب المستهلكين. وهكذا جرى إعادة تدوير ما كان يستخدم لعلاج بعض أنواع الحساسية وطرحه في الأسواق على أنه أغذية صحية، وما يصاحب ذلك من حملات ترويجية وكتابات وبرامج يشرح فيها من يسمون “الخبراء” فوائد النظام الغذائي الصحي المعتمد على تلك المنتجات. والأمثلة هنا كثيرة، وإن كانت لم تنتشر بعد بالدرجة التي تجعلها معروفة على نطاق واسع إلا أن سوقها يكبر باطراد. وإن كان هناك مثال معروف وشائع لا يكاد يخلو منه بيت وهو الحليب الذي أصبح منه “نصف دسم” و”قليل الدسم” و”منزوع الدسم”…إلخ.
ويبدو أن تلك التقليعة وصلت حد التشبع، فكان ابتكار الحليب الخالي من “سكر اللبن” (لاكتوز) الآخذ في الانتشار الآن وأصبح تقريبا “موضة” بين يأخذون معارفهم الصحية من الإنترنت ووسائل التواصل. ومعه بالطبع منتجات غذائية كثيرة، يدخل الحليب في إعدادها، أصبحت منها منتجات جديدة (غالية الثمن بالطبع) تخلو من اللاكتوز. والأصل هنا أن هناك حالة صحية هي الحساسية من اللاكتوز وغالبا ما تظهر لدى الصغار، والتي ينصح الأطباء بوقف استخدام اللاكتوز لعلاجها. وكانت تلك الأغذية تباع بالصيدليات أو محلات الأغذية الصحية. ينطبق الأمر ذاته على من لديهم حساسية لمادة الجلوتين (الموجودة في القمح) وبالتالي لا يستطيعون تناول خبز القمح ولا أي منتجات يدخل فيها القمح مثل المكرونة وغيرها. وأيضا كانت تتوفر تلك الأغذية للمصابين بتلك الحساسية. وظلت تلك الأغذية مقصورة على من يعانون من حساسية تجاه تلك المواد، إلى أن سرت مؤخرا موجة من مروجي “الطعام الصحي” الداعين لتفادي اللاكتوز والجلوتين والدسم و.. و..إلخ.
وهكذا، أصبحنا نجد قسما، يزداد حجمه باستمرار، في مراكز التسوق والمحلات الكبرى ويفوق ما انتشر أيضا فترة من الخضراوات والفاكهة التي تصنف “عضوية”. وليس هناك اعتراض على لجوء الناس لما هو صحي ومفيد، لكن صرعة استهلاك كل ما كان يوصف لمرضى بشيء له علاقة بالتغذية وصلت إلى حد استثنائي فعلا. وأصبحنا على وشك أن نكون نحن آخر جيل يبدو أننا تقريبا آخر جيل سيقال عنه “الجيل اللي أكل العيش والمكرونة بالجلوتين وشرب اللبن باللاكتوز وأكل الجبن غير منزوع الدسم وخلط الفيغان باللحم والفراخ..”. ورمضان مبارك للجميع، وسامحونا إن تحدثنا عن الطعام في وقت الصيام.

إلى الأعلى