الجمعة 24 مايو 2019 م - ١٨ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ترامب.. يد تحنو على المحتل وأخرى تشير لإيران
ترامب.. يد تحنو على المحتل وأخرى تشير لإيران

ترامب.. يد تحنو على المحتل وأخرى تشير لإيران

منذ فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئاسة البيت الأبيض في نوفمبر 2016 تعالت ـ مع إعلان فوزه ـ نبرة الهجوم السياسي على إيران، ونقضت الولايات المتحدة الاتفاق الدولي الذي وقعته القوى العظمى مع طهران بشأن القدرات النووية الإيرانية، ومن ثم فرض ترامب الحصار عليها، وأصدر لائحة عقوبات على الشركات الدولية التي تتعاون معها، وقوض قدراتها النفطية والاقتصادية.
في المقابل ومن لحظة تنصيب ترامب وهو يحنو على إسرائيل، بل ويحقق لها كل يوم جزءًا من طموحاتها، فبعد توليه الرئاسة رسميا بادر بنقل سفارة بلاده في الكيان المحتل من تل أبيب إلى القدس ضاربا بالقرارات الأممية عرض الحائط، ثم عاود الكرة مرة أخرى بعد عام واعترف بسيادة “إسرائيل” على أرض الجولان السورية المحتلة منذ عام 1967، هذا بخلاف مواقفه الثابتة من دعم إسرائيل وكل من يساندها ويعترف بها ويحقق مصالحها؛ بل ويبغض كل من يظهر لها العداء، سواء كان مكبوتا أو معلنا، ظاهرا أو ضمنيا، ثم ما لبث أن خطط ورفاقه لتمرير “صفقة القرن” والتي تقضي نهائيا على القضية الفلسطينية.
في كلتا الحالتين نجد أن ترامب ـ رغم ازدواجيته ـ فرض رؤيته على العالم بصفة عامة والمنطقة بصفة خاصة، وتحولت الفضائيات وبرامجها الإخبارية والحوارية إلى الهجوم على إيران وشيطنتها، وتم تجاهل عداء إسرائيل البين لكل الشعوب، وتسببت تبعات هذه السياسة في تأجيج مشاعر المنطقة والتهابها، وزيادة هوة الخلاف بين دولها، وكأن هذا التحول هو الحديث الآمن، والسياسة المرضي عنها، فما تكاد تتصفح مواقع إحدى الصحف العالمية إلا وتجد في صدارتها هجوما على إيران، ولا تتابع وكالة أنباء إلا وفي رأس تحديثاتها إجراءات أميركية ضد طهران، حتى وسائل الإعلام العالمية مثل BBC البريطانية وشبكتيCNN و ABSالأميركيتين وغيرها، باتت أخبار إيران في مقدمة موجز الأنباء بكل محطة.
أيضا تحولت نغمة السواد الأعظم من الإعلام العربي إلى العزف على وتر تضخم وتغلغل النفوذ الإيراني في المنطقة خارجيا، ثم انتقلت ساحة التنظير والتأطير إلى الشأن الداخلي، وهو حق مكفول لكل باحث وخبير وإعلامي؛ لكن في ظل هذا التوجه يتوارى العدو شيئا فشيئا، وبدأ الكيان يخاطب المنطقة باللغة العربية، ويتبادل معهم ـ عبر وسائل التواصل الاجتماعي ـ التهاني بالمناسبات الرسمية، ويتداول مقاطع الفيديو والتصريحات التي تخدم وجوده ككيان مغتصب دق أوزاره في أرض العرب.
وبينما يسحب ترامب الأضواء ويوجهها صوب إيران، مستغلا حالة الخلاف الإقليمي وتضارب المصالح بين دول المنطقة، فإنه ينزع عن فلسطين غطاء حق المقاومة وتقرير المصير، ويسلب منها إرادتها في تحديد مستقبلها، من خلال تقديم الفصائل الفلسطينية في رداء “الإرهاب”، وفي نفس الوقت يطرح الحكومة الإسرائيلية على المسرح العالمي بوشاح السلام، فبينما يبرر قتل الفلسطينيين وقصف قطاع غزة، نجده يقر بـ”معاداة السامية” ويطالب الكونجرس بسن قانون يعاقب على التجاوز في أكذوبة “حق شعب الله المختار”.
سياسة ترامب ليست مفاجئة فهو يسير حرفيا وفق برنامجه الانتخابي الذي أعلنه منذ 3 سنوات، ويبدو أنه يقبض على السلطة جيدا في الولايات المتحدة، حتى أن السلطات التشريعية والقضائية والأجهزة المخابراتية والأمنية لا تستطيع مجابهته، ولهذا أتوقع أن يفوز بولاية ثانية في الانتخابات التي ستجرى العام المقبل، لتكون المنطقة على موعد مع خمس سنوات ونصف فيها كل أنواع الانحراف السياسي من التمييز العنصري أو دعم الاحتلال أو سلب الإرادة الفلسطينية، وهو ما يفتح الباب لكيفية تعاطي المنطقة مع المستجدات المتوقعة.
أنا لا أهاجم دول المنطقة، ولا امتدح نظام طهران، ولا أستطيع التطاول على حق كل دولة في الدفاع عن مصالحها، ولا يمكن التقليل من سياساتها؛ كما لا يمكن تقديم المبررات لتجاوزات طهران بشأن قضية ما؛ لكن مبادئ السياسة تقول إنها لا يوجد عدو دائم ولا صديق دائم، بل هناك مصالح إقليمية تستوجب من الفرقاء التقارب في وجهات النظر، والخروج من الصورة القاتمة التي يرسمها ترامب وإدارته للمنطقة، خصوصا وأن مقاصده لاحت للجميع في الأفق.
قضية المنطقة هي القضية الفلسطينية وليست قضية إيران، وهذا ما ذكره معالي يوسف بن علوي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي معلنا موقف السلطنة عندما قال “إن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية لمنطقة الشرق الأوسط”؛ لكن ما نشاهده من ترامب هو سحب الأنظار تجاه طهران وسلبياتها، وفي نفس الوقت تجميل إسرائيل وعنصريتها وإمبرياليتها، فبينما تحنو إحدى يديه على الكيان المحتل للأراضي العربية والمقدسات الإسلامية، يشير بأصابع يده الأخرى صوب إيران ويقدمها للعرب وكأنها “العدو الأول”، وهذا خلاف الواقع.

أيمن حسين

إلى الأعلى