السبت 17 أغسطس 2019 م - ١٥ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الثعالب تفرّخ بحاضنات

الثعالب تفرّخ بحاضنات

عادل سعد

ما زالت تحاصرني بين الحين والآخر، صورة المشرد اللبناني الذي فاجأني في بيروت على بعد خطوات من (الروشة)، وهو يردد بدون انقطاع (لأن لبنان غالي باعوه!)، يكرر العبارة نفسها، والإيقاع الصوتي نفسه، لا ينخفض ولا يرتفع، وكأني به لا يريد أن يخرج من هذه المتوالية المسرحية إلى معلومة باحتمال أن يكشف عن مساهمين أساسيين في الصفقة، إن صحت اتهامات ذلك المشرد الذي يبدو من ملابسه وهيئته أنه مشرد مع امتيازات ثقافية!
ويبدو أيضا أن أغلب المارة لا يعيرونه أي اهتمام، ربما لأن ما يقوله لا يدهش أحدا بحكم ما لدى اللبنانيين من معلومات في هذا الشأن، أو أن الموضوع بأجندة إضافية تستلزم معلومات جديدة لأن وثيقة الاتهام التي يرددها المشرد لم تعد موضع شكوك أو تهوين.
مشاهدتي للمشرد كانت في صيف السنة الماضية، وأعترف أنه أشغلني حقا مما دفعني للإشارة له في مقالة آنذاك. أما لماذا تستعيده ذاكرتي الآن؟ فللأمر علاقة بما أتابعه عن الأوضاع الاقتصادية اللبنانية المتمثلة في الضغوط التي تتعرض لها الليرة، والحديث عن احتمال دخول لبنان في نفق الإفلاس، وما يترتب على ذلك من انهيارات مؤلمة جدا، تأسيسا على شهادات موثقة بشأن التهرب الضريبي الذي يكلف لبنان سنويا أكثر من 400 مليون دولار، فضلا عن عشرات الملايين من الدولارات التي تذهب لإعادة جدولة الديون بفوائد إضافية لتأجيل سدادها، حتى قيل إن إعادة الجدولة هي بأكثر من عجلة واحدة، مع أن إجمالي حجم الديون بلغ حتى نهاية السنة الماضية 87 مليار دولار. أما الكارثة الأبشع فتكمن بالفساد الذي يكلف الدولة اللبنانية أكثر من ملياري دولار سنويا مع وجود رافعة سياسية له بدليل أن شبهة اتهام، مجرد شبهة، طالت أحد السياسيين فما كان من الجهة التي ينتمي إليها ذلك السياسي إلا أن أقامت الدنيا ولم تقعدها، ولوحت محذرة أنه خط أحمر، وأن ما يحصل هو استهداف لها.
إن العجز الاقتصادي، والفساد، وتفاقم الدين العام، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع حركة الاستثمار، وسوء توزيع الثروة، وكل مفردات الانكشاف الاقتصادي الأخرى، وما يصاحبها من تلوث بيئي على خلفية أزمة النفايات المستمرة، إن كل ذلك هو بأنياب سياسية أصلا، ولهذا أخفقت السلطات الحكومية في إيجاد حلول ناجعة لجميع تلك المشاكل، لا توجد وحدة موقف وطني تتشارك، بل تجاذبات وتسجيل مواقف بعضها بأجندة إقليمية ودولية، ناهيك عن الانقسام الحاد بشأن النازحين السوريين، فهناك من يستخدمهم للمراهنة السياسية تحت طائلة اللعب بالورقة الأخيرة.
على أي حال، بعض الثعالب تفرخ تحت الطاولات بحاضنات غير لبنانية! ولذلك تتسابق الأزمة مع الواقع بعناد واضح وتتباين الأجندة بإدارتها، وتتعدد المواقف، مع أن الجميع يذرف الدموع بسخاء على أوضاع لبنان في اختلاطات شديدة بين الدموع الحقيقية ودموع التماسيح.
الخلاصة، إن المشرد اللبناني بالنسخة التي أشرت إليها سيظل يواصل مهمة الإعلان عن صفقة بيع لبنان، ما دام هناك من يرعاها صاغرا، بل وما دامت الشكوك تتوالى من مسؤولين فرنسيين يتولون تنفيذ مقررات مؤتمر (سيدو) الخاص بدعم الاقتصاد اللبناني، فقد قال الدبلوماسي الفرنسي بيار دوكان (إن لبنان دولة غير قابلة للإصلاح) وقد أحدث تصريحه استغرابا مكتوما واسعا، خصوصا وأنه مكلف من الرئيس الفرنسي ماكرون بهذا الملف، المفارقة هنا أن التصريح مر بدون ضجيج إعلامي، في حين أن أغنية راغب علامة (طار البلد) ما زالت تتبارى بالمزيد من ردود الفعل التي وصلت إلى حد التهديد بتطيير رقبة علامة!
والخلاصة المقابلة، أن الطريق للمعالجة مفتوح سلفا، وممهد أيضا بضرورات تحسين إدارة الدين العام ومكافحة التهرب الضريبي، وإعادة النظر بأولويات القروض المدعومة لكي يستفيد منها الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة وتعليق بعض الاستيرادات، وكذلك إعادة دراسة ما يعرف بإدارة الأملاك البحرية التي ما زالت تخضع لضغوط الكسب غير المشروع على أيدي متنفذين، ثم إن الإصلاح المالي الهيكلي لا يستقيم إلا بوجود فوائد مصرفية معقولة عادلة تنصف أصحاب الودائع المالية المتواضعة.

إلى الأعلى