السبت 17 أغسطس 2019 م - ١٥ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / غزة التي لن يبتلعها البحر

غزة التي لن يبتلعها البحر

علي بدوان

شَهِدَ قطاع غزة منذ صباح السبت 4/5/2019 وحتّى فجر الاثنين 6/5/2019، عدوانا “إسرائيليا” واسع النطاق، حيث شنت طائرات جيش الاحتلال الحربية غارات جوية عنيفة، وقامت مدفعيته بتوجيه حممها على أهداف متفرقة في القطاع، فيما أطلقت الفصائل والقوى الفدائية الفلسطينية مئات الصواريخ، تجاه المستعمرات “الإسرائيلية” المحيطة بالقطاع (مستعمرات الغلاف) وحتى في مناطق بالعمق المحتل عام 1948.
الجولة الأخيرة من الحرب “الإسرائيلية” على القطاع، كانت فارقة جدا عما سبقها من جولات عسكرية استهدفت القطاع، حيث استطاعت القوى الفلسطينية الرد وبشكل فعّال على جيش الاحتلال من خلال التعاطي الميداني الأفضل من الجولات التي سبقتها، وهو ما أفضى لهرولة العديد من الأطراف الإقليمية التي سعت لترتيب “هدنة” أو “تهدئة” جديدة، ما زالت رجراجة على جبهة القطاع، ما دامت أسباب العدوان موجودة وهي وجود الاحتلال ذاته، وحالة الحصار الظالم المفروضة على القطاع منذ صيف العام 2007.
العدوان “الإسرائيلي” الأخير على القطاع، جاء في سياقات محددة، لها علاقة بالسعي “الإسرائيلي” لضرب مسيرات العودة بعد أن حققت حضورا جيدا من حيث الدرجة الكفاحية العالية لأبناء الشعب الفلسطيني، وتحديهم لجيش الاحتلال بصدورهم العارية ومطالبهم المشروعة برفع الحصار الظالم عن القطاع وهو الحصار المستمر برا وبحرا وجوا من العام 2007، خصوصا في ظل تراجع مستويات الحياة الاقتصادية لعموم الناس كما أشارت لذلك التقارير الأممية، وسعي سلطات الاحتلال وبعض الأطراف الإقليمية لتكريس أضحوكة “السلام الاقتصادي”، بمعنى هدوء على جبهة القطاع مقابل تمرير البضائع وتحسين أوضاع الناس الاقتصادية، بدلا من تحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الواقع الصعب في القطاع. كما لها علاقة بالسعي “الإسرائيلي” لضرب قوى المقاومة وإنهاكها والتأثير على بناها وقواها، وترضية قوى اليمين واليمين المتطرف التي باتت في إطار حكومة ائتلافية مع حزب الليكود. كما لها علاقة بالسعي الأميركي “الإسرائيلي” لتمرير الصفقة السامة المعنونة بــ”صفقة القرن”، والتي تفترض تحطيم قوى المقاومة في القطاع، وفصل القطاع عن الضفة الغربية.
التصعيد “الإسرائيلي” الدموي الأخير ضد قطاع غزة، جاء بالرغم من كل الجهود التي بُذلت من قبل عدة أطراف إقليمية وحتى دولية، من أجل التوصل إلى تهدئة على جبهة القطاع. لكن صوت التطرف في “إسرائيل” بات هو السائد الآن، خصوصا بعد نتائج الانتخبات الأخيرة للكنيست الحادية والعشرين، فاستجاب رئيس الحكومة نتنياهو لأصوات قوى اليمين واليمين المتطرف، ولصوت المتطرف المولدافي الأصل أفيجدور ليبرمان الذي يطرح ومن وقت ليس بالبعيد ضرورة القيام بعملية عسكرية شاملة ضد القطاع، حتى لو اضطر الأمر القيام بعملية اجتياح بري واسعة واحتلال كامل لقطاع غزة. لكن حسابات الآخرين في المجلس الوزاري المصغّر الأمني والعسكري في “إسرائيل” (الكابينيت) قبل الانتخابات الأخيرة للكنيست “الإسرائيلي” كانت تلجم صوت أفيجدور ليبرمان ورئيس الأركان ومن معهما، فهناك تخوف “إسرائيلي” حقيقي من المغامرة بأي عملية عسكرية واسعة أو شاملة ضد قطاع غزة، خشية من الخسائر البشرية الكبيرة المتوقعة بصفوف جيش الاحتلال وجنوده. فضلا عن الخشية من انفجار الوضع برمته في وجه “إسرائيل” أمام العالم بأسره، وهي التي تُحاصر القطاع برا وبحرا وجوا منذ أكثر من أحد عشر عاما خلافا للقانون الدولي، ولشرعة حقوق الإنسان. فالقطاع ما زال عمليا تحت سيطرة الاحتلال، من خلال عملية الإطباق الجاثمة عليه وعلى عموم مواطنيه.
وفي التقدير العام بعد جولة العدوان الأخيرة على القطاع بين 4 ــــ 6/5/2019، وفي أعقاب عملية “تقدير الموقف” التي أجرتها أجهزة استخبارات الاحتلال، تبيّن أن حالة عدم الاستقرار في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ما زالت مرتفعة جدا، وإن إمكانية التصعيد في كلتا الساحتين ما زالت مرتفعة أيضا، لأسباب مختلفة، إلا أن كلا منهما مرتبطة بالأخرى، وفيما يتعلق بقطاع غزة فإن قادة جيش الاحتلال يعتقدون، وبشكل عام، أنه وبدون مسار سياسي يكمل الإنجاز العسكري على حد وصفهم، وتحقيق تقدم كبير على المسار المدني الحياتي اليومي للناس في القطاع، فإن الأمور ستتدهور سريعا جدا، حيث ما زال جيش الاحتلال يرى أن تقديم الحلول الاقتصادية من شأنه ضمان الهدوء والاستقرار لفترة طويلة الأمد. (صحيفتي هآرتس ويديعوت أحرونوت 8/5/2019).
وعليه، تعتقد معظم المصادر “الإسرائيلية” أنه بفقدان المعالجة السياسية، فإن الطرفين يقفان في القطاع على شفا حملة عسكرية جديدة على غرار حملة “الجرف الصامد” العسكرية التي قام بها جيش الاحتلال ضد القطاع عام 2014. وبدون إحراز تقدم في الترتيب، ستنهار الهدنة في غضون أيام إلى أسابيع، فالتقييم الذي قدمه “الجيش الإسرائيلي” للقيادة السياسية يوضح أنه بدون تعزيز الجهود السياسية لتحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة، فإن الهدوء الذي تم تحقيقه لن يدوم طويلا.
وخلاصة القول، شعب فلسطين، وفي معركته الأخيرة ضد الاحتلال، ممثلا بأهل قطاع غزة، رفض الاستسلام والخنوع، وأصرَّ على الاستمرار في المقاومة بما تيسر من أسبابها بين يديه بالرغم من كل الأوضاع الصعبة التي يعيشها. هكذا وعلى امتداد عام كامل، كان الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يخرج كل يوم جمعة إلى الشريط المكهرب الذي نصبه العدو للفصل بين حدود فلسطين 1948 وحدود العام 1967 ليسقط هذا الشريط بأجساد شباب وشابات وفتيان وفتيات فلسطين في القطاع، وليتجاوز بالحجارة الغزاوية خط الفصل بين شطري فلسطين التاريخية، ويرجم بها جيش الاحتلال “الإسرائيلي”، وجنوده المتمترسين داخل دباباتهم أو خلف الدشم المحصنة التي لا تخفي مدافعهم والرشاشات الثقيلة، بل توجه فوهاتها تجاه المتظاهرين السلميين المدنيين.
لقد مات إسحق رابين، ومات معه حلمه الذي كرره أكثر من مرة، مُتمنيا “أن يصحو ذات يوم ويرى البحر وقد ابتلع قطاع غزة ومن عليه”. فالقطاع وأهله سيبقى شوكة في حلق الاحتلال، ما دام الاحتلال جاثما على أرض فلسطين، وما دام الحصار مطبقا على القطاع، فالشعب الفلسطيني عاش وما زال متمرسا بتجربته الحية بكفاح البقاء.

إلى الأعلى