الإثنين 20 مايو 2019 م - ١٤ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / درس إنجليزي من بطولات أوروبا
درس إنجليزي من بطولات أوروبا

درس إنجليزي من بطولات أوروبا

الرابط الوحيد الذي يجمعنا بين لعبة السياسة وكرة القدم هو أننا مجرد مشاهدين أو مفعول به، وقد تابعنا الأيام القليلة الماضية إحدى العمليات الإرهابية التي ألحقت الدمار في 4 سفن تجارية بميناء الفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة، وقد سبق هذه التفجيرات ارتفاع سقف الخلاف الأميركي الإيراني وتحريك البوارج الحربية وحاملة الطائرات الأميركية، وكذلك استعدادات السفن الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ نتيجة لتفعيل حظر بيع النفط الايراني، وإن كانت هذه اللعبة بين إيران وأميركا مكررة وتشبه مباريات كرة القدم بين الهجوم والانسحاب حتى يتم المقصود باستنزاف دول المنطقة، واختلف الأداء هذه المرة بدخول طرف ثالث للعبة في محاولة لإشعال الموقف واستفزاز واشنطن لتغيير النتيجة المعتادة وإشعال المنطقة، ولكن الخطة لم تفلح بسبب قوانين اللعبة المحفوظة لدى الفريقين.
ولأننا مجرد مشاهدين سنختار ملعب كرة القدم للحديث عنه في محاولة للاستفادة من التجربة الإنجليزية، حيث يترقب العالم إقامة المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقي ليفربول وتوتنهام، وكذلك المباراة النهائية للدوري الأوروبي لنفس اللعبة بين فريقي أرسنال وتشيلسي، والقاسم الأكبر في المباراتين أن الفرق الأربعة إنجليزية، وتنحدر من أقوى دوريات العالم لكرة القدم، كما أنها عادت للبطولة من بعيد، وحققت “ريمونتادا” جعلت خبراء كرة القدم في كل أنحاء العالم يصفون النسخة الحالية بأنها الأقوى على الإطلاق، فقد عاد ليفربول برباعية تاريخية أمام العملاق الكتالوني “برشلونة” ليعوض خسارته بثلاثية، وفي ظل غياب أفضل لاعبين في الفريق وهما المصري محمد صلاح والبرازيلي فيرمينيو، وعوض توتنهام خسارته على ملعبه أمام أياكس الهولندي بهدف إلى فوز قاتل بثلاثية أمام الجماهير الهولندية بعد أن كان متأخرا بهدفين أمامها، وعاد أرسنال ليقلب تأخره أمام جماهير فالنسيا الإسباني إلى فوز بفضل ثلاثية الجابوني أوباميانج ليؤكد جدارته في الفوز ذهابا بثلاثية، وتأهل تشيلسي بفضل عودته من ألمانيا بتعادل ينفي خسارته قبل أن يتفوق في ركلات الترجيح.
الإشادات العالمية بالكرة الإنجليزية لا تتوقف، وانطلقت من التخصيص إلى التعميم، ومن اللاعبين والفرق إلى المنظومة الإنجليزية بالكامل، والغريب أن الفرق الأربعة لم يفز أي منها ببطولة الدوري هذا العام، وفاز بها العملاق مانشستر سيتي الذي قدم أداءً مبهرا هذا العام في البطولة بجانب ليفربول؛ بل والأغرب أن الفرق وصلت للنهائي بفضل كوكبة من اللاعبين الأجانب. الإنجليز قدموا النموذج الأكثر إشراقا في كرة القدم، بدءا من الاستثمار في الملاعب، واستقطاب أفضل اللاعبين في العالم، واتبعوا أفضل طرق لتسويق منتجهم الكروي، وكانت سياساتهم متزنة، وتخدم الكرة الإنجليزية كسلعة واللاعبين والملاعب والمدربين كعناصر إنتاج، ولم يميزوا بين لاعب إنجليزي أو أوروبي أو أجنبي بل على النقيض تماما، فرضت سياستهم “الاجتهاد” على لاعبيهم وضرورة العمل لتنمية الموهبة، وربما بدا ذلك العام الماضي عندما وصلوا للدور قبل النهائي في كأس العالم الذي أقيم في روسيا لأول مرة منذ عام 1990، وبدت تتفتح مواهب كروية لديهم مثل رحيم ستيرلينج وهاري كين وماركوس راشفورد وغيرهم من النجوم الإنجليز.
التجربة الإنجليزية استعانت بها دول أوروبية أخرى مثل فرنسا (بطل كأس العالم) وإسبانيا وإيطاليا وألمانيا وهولندا وجميعها قوى محورية في عالم كرة القدم، ونفس الأمر بدا يتكرر في آسيا من خلال قيام الصين باستقطاب نجوم وكفاءات كروية من كل دول العالم لبطولاتها، وتنفق عليها مليارات الدولارات، حتى أصبحنا نرى الفرق الصينية في المراحل النهائية للبطولات الآسيوية، وكذلك منتخب الصين أصبح فريقا لا يستهان به في مختلف المراحل العمرية.
التجارب الكروية تعكس الفلسفة الاقتصادية، فإنجلترا تستقطب الكفاءات لتحقيق نمو اقتصادي، ومن بينها كرة القدم، فبخلاف أنها موطن للشركات الأوروبية العظمى في مجال التجارة، فإنها فتحت الباب على مصراعيه أمام استثمار الشركات العالمية في البنية التحتية الرياضية كالملاعب، وكذلك التسويق، واتخذت منهجا علميا في عمليات دخول وخروج الكفاءات منها وفق منظومة العمل المتبعة بها، حتى أن تمويل الفرق الرياضية أصبحت شركاته عالمية مسؤولة عنه، فالفرق الأربعة المؤهلة للفوز ببطولتي الأندية الأوروبية تمولها شركات أميركية وآسيوية وأوروبية، أي أنها لكي تحسن صناعة كرة القدم كمنتج اقتصادي استعانت بخبرات من دول أخرى، وتجد في كل الفرق الإنجليزية مزيجا من جنسيات اللاعبين تتناغم جهودها لتقديم صورة مشرفة ومشرقة عن الكرة الإنجليزية داخليا وخارجيا، فاللاعب اللاتيني بجوار الإفريقي مع الآسيوي منسجمان مع الأوروبي. الدول الطاردة للعناصر والكفاءات والمواهب الأجنبية تتراجع كثيرا عن الدول المستقبلة لها، فها هي رومانيا التي كانت تقدم أفضل اللاعبين في العالم مثل جورج هاجي تتراجع بفضل القيود التي تضعها على اللاعبين الأجانب، بخلاف بلجيكا وكرواتيا أوروبيا والصين آسيويا الذين باتوا قوى كروية سواء عالميا أو على مستوى القارات.
بكل تأكيد العنصر الأجنبي ـ إذا أحسن اختياره ـ لا يمكن الاستغناء عنه، طالما كانت معايير التقييم واحدة وهي الإخلاص في العمل وبذل الجهد والعطاء، دون إعطاء الفرصة للتفكير بأن إقصاء العناصر الأجنبية ربما يكون مؤشرا على ضعف وفقدان التنافسية للعناصر المحلية، وربما لهذا السبب ظهرت فروع جديدة في المعرفة والعلوم مثل بناء القدرات التنافسية وعلم التنمية البشرية والتنمية المستدامة، وغيرها من العلوم الاجتماعية الحديثة تهتم ببناء وتطوير الأمم وتوفير الاستدامة للفرد والمجتمع.

جودة مرسي

إلى الأعلى