الجمعة 24 مايو 2019 م - ١٨ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التشويق إلى الجنة «1»

التشويق إلى الجنة «1»

إنّ القرآن الكريم تحدث عن قضايا كثيرة، وعن مسائل عديدة، وعن موضوعات شتى تحث عنها حديثاً علميًا رصينًا بالغًا بليغًا، لا مثيل له ولا نظير، كيف لا، والله تعالى يقول عن القرآن الكريم:(إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء ـ 9)، ويقول تعالى:(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء ـ 88).
ومن القضايا التي تحدث عنها القرآن كثيرًا الجنة والنار، لقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم صورًا من نعيم الجنة، وصورًا من أحوال أهلها تشويقًا إليها، وترغيبًا فيها، وحضًا للفوز بها، كما ذكر سبحانه وتعالى صورًا من عذاب النار، وصورًا من أحوال أهلها تخويفًا منها، وترهيبًا فيها، وتحذيرًا من الوقوع فيها، ولقد كان السلف الصالح كأصحابي أبي حمزة الشاري ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ إذا مرَّ أحدهم بآية في ذكر الجنة بكى شوقًا إليها طمعًا فيها، وإذا مرَّ أحدهم بآيةٍ فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه خوفًا منها.
وقد أعدَّ الله الجنة للسعداء وهم المؤمنون المتقون، وأعدَّ الله تعالى النار للأشقياء، وهم الكفار والعصاة، يقول الله تعالى:(يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود 105 ـ 108).
وقد يسأل سائل: لماذا الجنة والنار، لماذا الثواب والعقاب؟ والجواب كما قال الله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم 35 ـ 36)، ويقول تعالى:(لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (الحشر ـ 20)، نعم الجنة والنار حتى لا يستوي الصالح بالطالح، ولا المحسن بالمسيء، ولا الطائع بالعاصي، ولا المؤمن بالكافر، ولا المظلوم بالظالم. نعم أعد الله تعالى الجنة لتكون مُقامًا أبديًا لعباده المؤمنين المتقين، فقال سبحانه:(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة ـ 25)، وقال تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّـهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) (فصلت 30 ـ 32)، وقال تعالى:(وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر 73 ـ 74) .. اللهم اجعلنا من أصحاب الجنة، فأصحاب الجنة هم الفائزون. فماذا يراد بالجنة؟ ولِمَ سُمّيت بالجنة جنةً؟ وما أسماؤها؟ وما صور نعيمها؟ وما أحوال أهلها؟ وما أسباب دخولها والفوز بها؟
يراد بالجنة تلك الدار التي أعدها الله تعالى في الآخرة لتكون ثوابًا لعباده المؤمنين المتقين، فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وسميت الجنة جنة لأنها تستر الداخل فيها بأشجارها.
لقد سمّى الله تعالى الجنة بأسماء باعتبار صفاتها منها (دار السلام) ذلك لأن الداخل فيها يظل سالمًا من كل آفة وبلاء ويبقى فيها سالمًا من سوء ومكروه، فلا نكد فيها، ولا خوف ولا حزن. ولا مرض ولا فوت، يقول تعالى:(لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام ـ 127)، ويقول تعالى:(وَاللَّـهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (يونس ـ 25)، وجنات عدن لأنه الداخل فيها مقيم فيها لا يرتحل عنها، ولا يخرج منها أبدًا، يقول الله تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَـنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا* لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا، تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) (مريم 61 ـ 63).
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى