الجمعة 24 مايو 2019 م - ١٨ رمضان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حروف المعاني في آيات الصيام ودورها في الترابط الدلالي «7»

حروف المعاني في آيات الصيام ودورها في الترابط الدلالي «7»

.. فكناياتُ القرآن كثيرةٌ، وخصوصا في مواضع النكاح، والقرب العاطفي الحميمي، فهي كناية عما يُستقبَح ذِكْرُهُ، ويُسْتَحْيَا من التصريح به، وفيه كذلك أسلوبُ قصر، بتقديم ما حقه التأخير، وذلك لبعد المخبر عنه تشويقًا للسامع والمخاطب، واستحضارًا لذهنه، واسترعاءً لسمعهِ وحسِّه وكُلِّه، يقول العلامة المفسر أبو السعود:(وتقديمُ الظرف على القائم مقامَ الفاعل لما مَرَّ مرارًا من التشويق، فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبْقَى النفسُ مترقبةً إليه، فيتمكَّن وقتَ وُرودِه فضلَ تمكُّن) (أهـ)، وهو من أساليب القرآن الكريم، أسلوب التشويق واستشراف النفس لمعرة ما سيأتي، على شاكلة:(ولكم في القصاص حياة ..)، ونحو:(لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون)، ونحو:(لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه)، ونحو:(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر ـ 16)، وهكذا ما معنا، حيث أخَّر نائبَ الفاعل قليلاً بِشِبْهَيِ الجملة:(لكم) (ليلة الصيام)، والتعبير باللام ـ كما سبق ـ كنايةُ عن الاختصاص، وكناية عن الفضل من الله على أمة الإسلام، وقَصْر ذلك على الليلة، دون النهار لكون الصيام مانعًا من ذلك، وفيه سعةٌ من الله، ونعمةٌ بعد أن كان ذلك محرَّمًا عليهم، صار حلالًا لهم، هم فيه متنعمون حتى قبيل الفجر، ثم تأتي تلك الجملة الاسمية السامية، المعطوف عليها بمثلها:(هنَّ لباسٌ لكم،وأنتم لباسٌ لهن) لتكون كنايةً ضافيةً على معنى الدفء، والحنان، والتداخل العاطفي والنفسي والجسدي، وبدأ بالنِّساء لأنهن سببٌ أصيلٌ في هذا المقام،ولديهن ما يكون سببًا في القرب والود، ويتمتَّعْنَ بخصائص، وميزات تنزِل من الأزواج منزلا حسنًا، وهنَّوفيهنَّ من العاطفة، ورقيِّ الإحساس، والعطاء الزاخر ما يجعلهن مُقَدَّمَاتٍ في هذا السياق، وتفيض عواطف الزوجة على زوجها، وتعطيه من خلاصة وُدِّها، ما يجعله شاكرًا لله، على نعمة الزوجة الصالحة الوَدُود، التي تثري حياته، وتُغنِي ذاته، وتُشبِع رغباتِه، وتُفضي إليه بكُلِّهَا لتُسعدَ فؤاده، وتحفظَ وِدَادَهُ، ولفظة اللباس تعني كمال اللبس، فهي تغمره غمرًا كاملاً، وتكون سترًا له، وغطاء سابغًا: ماديًّا ومعنويًّا، بها يستتر من حرارة الشمس، ولهيب الواقع وقسوة الحياة، واللام هنا في:(لكم) للملكية، والاكتساب، كأنها أمستْ مِلكْاً لزوجها يتصرف في النظر فيه كيفما شاء، فهو قد أتى لإسعاده، ولتحقيقِ كلِّ رغباته المشروعة، وجعله مستقرَّ النفس، هادئ َالفعل، كريمَ الذات، قريرَ العين، مسرورَ القلب، سعيدَ الداخلِ، مبتسمَ الخارجِ، وعلى المقابل: وأنتم لباس لهنَّ» هي تحتمي بزوجها، وتستظل بحنانه، وحبه، وَوُدِّهِ، وتعيش في ظلال كرمه، وعطائه، وحدبه، وجميل عشرته، كأنه لها سترٌ، وغطاءٌ، وثيابٌ ضافيةٌ، تحميها، وتسترها، وتعطيها ما يكفيها، وتؤدي طلباتِها، وتحيا لإسعادها، وتلبِّي كل ما في نفسها، ولا تحرمها من شيء: قلَّ، أو كَثُرَ، فتعيش معه، وفي جلبابه تحتمي، ومن لأواء الحياة تتفيأ رياضه، وفي ودِّه ترتمي، فتراها تتقلَّب في النعيم، ويفيض عليها من قلبه المعطاء، الكريم، وكأنه صار ملكًا لها، تسير أينما شاءتْ في رياضه، وتعتبق شذا المسك من بساتينه، تطلبُه، فتجده، وتناديه، فلا تفقده، يتكاملان، ويتناغمان، ويلتقيان على أَرَقِّ قلب واحد، ولا يختلفان، وأَشَفِّ فؤاد واحد، كأنه يرتديها فتستره من كل ما يؤذيه، وتقدم له كلَّ ما يرضيه، ويكفيه، ويغنيه، وترتديه، فيسترها من كلِّ ما يؤذيها، ويقدِّم لها كلَّ ما يرضيها، ويكفيها، ويغنيها، إنه بحقٍّ تعبيرٌ فوق الخيال، كُلٌّ لِكُلٍّ سترٌ، وغطاءٌ، ويجعله دومًا في هدوء، وصفاء، ويترقى به في مدارج العلياء، ويتعالون على التَّرْبَاء، ويصلان إلى طهر السماء، فقد حقق شبه الجملة:(لكم ـ لهن) كلٍّ معاني العطاء والبذل والحب والود والقرب والتلاحم والارتباط والتداخل والجمال وذلك على سبيل الدوم والأزلية، فهاك الود متواصل، وذاك الحب متتابع إلى يوم الدين تحقيقا لدلالة الجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والاستمرار، والتحقق كلما التقيا وعاد كل إلى نصفه الآخر وجزئه الثاني، واتصل الفرع بأصله، وتعانق الجزء بكله:(هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)، كل يعرف رسالته، ويدرك جمال مهمته، ويقف على جلال الحياة الزوجية ويتفهم تبعاتها، ويعرف متطلباتها، ويسارع في تنفيذها، والقيام بحقها، والسهر على شؤونها، ولعل في قوله تعالى:(هنَّ لباسٌ) تشبيهًا بليغًا، حيث اقتصر على المشبه والمشبه به فقط، وحذف وجهَ الشبه، والأداةَ، وهو أبلغُ وأرقُّ أنواع التشبيهات الثمانية الأخرى، حيث يُزْعَمُ فيه أنَّ المشبَّهَ قد صار عينَ المشبه به، وهو كذلك بالفعل عند المحققين، فالزوج غطاء، وستر، ولباس لزوجه، والزوجة كذلك غطاء، وستر، ولباس لزوجها، وهما كنفسٍ واحدة، تداخلا، وارتباطًا، وتناغُمًا، وانصهرا ودًّا، وقربًا، وعاطفةً، وإحساسًا، ومودةً، وحدبًا، وإذا عشنا دلالات تلك الجملتين الاسميتين وجدنا سعادة غامرة، وقلوبًا بشكر الله عامرة، الأسرة المسلمة أسرة مترابطة متكافئة متناغمة متلاحمة،ودودة، رحيمة، كلُّ فردٍ فيها يتنفس بأنف أخيه، وقلبُه ينبضُ من قلب أخيه: زوجًا، وأولادًا: كبارًا وصغارًا، ذكورًا، وإناثًا؛ لأن الأبوين قلبٌ واحد، وغطاء واحد، وفؤاد واحد، ثم يقول الله تعالى:(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ)، بالفعل الماضي:(عَلِمَ) الذي يفيد كمال العلم، وثبوته وكونه مذللا بين يدي الله، ويأتي حرف المعنى أنكم ليربط بين الفعل ومعموليه فيسد المصدر المؤول مسد المفعولين، لكنْ ورد على سبيل التأويل، لا المصدر الصريح، وبحرف التوكيد (أَنَّ) ليدل على أنه قد فعل وحصل، وتٍكرَّرَ، وبالفعل الناسخ الماضي (كنتم) .

إلى الأعلى