الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. ماذا لو استُهدف الجيش السوري؟

شراع .. ماذا لو استُهدف الجيش السوري؟

خميس التوبي

بدأت الولايات المتحدة موسم قيظها في الجمعية العامة للأمم المتحدة باستعراض سياسي ودبلوماسي مقابل استعراضها العسكري باستباحة الأجواء والأراضي العراقية والسورية، مُظْهِرةً فيه ذاتها على أنها لا تزال زعيمة العالم، ومقدِّمةً نفسها على أنها قوة الخير التي تسخر كافة إمكاناتها العسكرية والاقتصادية والسياسية من أجل حماية شعوب العالم وترسيخ قواعد السلم والأمن الدوليين، متخذِةً في المقابل من منبر الجمعية العامة منصة متقدمة لقصف خصومها الذين ينشدون التعددية ويرفضون الأحادية وفي مقدمة هؤلاء الخصوم روسيا الاتحادية التي وجه إليها الرئيس باراك أوباما مدافع سياسته متخذًا من الفوضى والإرهاب اللذين فجرتهما إدارته في كل من أوكرانيا ومنطقتنا قذائف يلقم بها مدافعه.
إن هذا القصف السياسي لا ينفصل عن القصف العسكري الذي تشنه الولايات المتحدة ضد ما يسمى تنظيم “داعش”، وإنما هو جاء نتيجة وراتبًا لنجاح الخبث البريطاني أولًا بتصدير هذا التنظيم في واجهة الأحداث واعتباره مصدر الشرور والأخطار التي تهدد العالم بأسره توطئة خادعة لإعداد الفخ الماثل في القرار الأممي رقم 2170. وحين نقول إنه فخ، فهو كذلك حتى لو كانت روسيا لا ترى ذلك، لكي لا تظهر بمظهر المتعرض للدغتين من جحر واحد بعد لدغة القرار ضد ليبيا. ولعل ما يجري على الأرض الآن. وتحول ضربات تحالف كيري من العراق إلى سوريا دليل كافٍ على ما نقول، وهذا أيضًا ما يفسر التحذيرات المتلاحقة والصادرة عن موسكو للولايات المتحدة من أي خرق للقانون الدولي ووجوب احترام السيادة السورية والتنسيق مع دمشق بشأن الضربات الجوية.
متحول الأحداث على الأرض في ضوء القرار الأممي 2170 والقرار رقم 2178 الذي جاء تعزيزًا للأول ويؤكد ما ذهبت إليه في مقال سابق أن القرار الأول مليء بالكمائن والدسائس وفي كل مرحلة سيتم إضفاء مزيد من الشرعية عليها إما بقرار أممي أو بتوسيع تحالف كيري أو غير ذلك، هذا المتحول في جوهره لا يمكن وضعه إلا ضمن السياقات السابقة من التحريض والتشويه والدسائس والتدليس منذ نشوب الأزمة السورية والتي كان عنصر الفبركة أساسًا لاستخدامها رافعة وذريعة نحو تحطيم الدولة السورية واعتبار القرارين نتيجة لها والتي وصلت إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد الأطفال في الغوطتين بالتزامن مع بدايات عمل بعثة المراقبين التي أرسلها مجلس الأمن، في إطار البحث عن ذرائع التدخل العسكري، لتصل نهاية هذا العمل الجبان إلى تسوية بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة بنزع الترسانة الكيماوية السورية مقابل تخلي الأخيرة عن القيام بعمل عسكري ضد سوريا.
وفي تقديري أن عين معسكر التآمر والتخريب كانت منذ البداية على الترسانة الكيماوية لأنها في نظر هذا المعسكر ورقة قوية بيد سوريا، وبقاؤها سيعطل كل التحركات اللاحقة، ولذلك كانت عملية استخدام السلاح الكيماوي من قبل معسكر التآمر وأدواتهم مقصودة لذاتها للوصول إلى اتفاق نزعها، لمباشرة العمل الحقيقي نحو تحطيم الدولة السورية بكذبة محاربة الإرهاب المدثَّرة بشرعية القرار 2170 والذي (أي التحطيم) يتمثل في وحسب السيناريو المعد من قبل تحالف كيري:
أولًا: ضرب البنى التحتية والمؤسسات الحكومية، واستهداف مصافي النفط والمصانع، وهذا لا يمكن وصفه إلا بأنه قضم مرحلي من كيان الدولة السورية وانتهاك مرحلي لسيادتها لتبقى فيما بعد قاعًا صفصفًا، بذريعة ضرب ما يسمى تنظيم “داعش” ليتحول تحالف كيري إلى المرحلة اللاحقة وهي ضرب مواقع الجيش العربي السوري، لتمكين الإرهاب البديل لـ”داعش” والذي أطلقوا عليه الإرهاب “المعارضة المعتدلة” ليملأ الفراغ في المناطق المستهدفة.
ثانيًا: إقامة منطقة حظر جوي تبدأ من الجولان السوري المحتل جنوبًا وحتى الحسكة شمالًا، والذريعة هي محاربة ما يسمى “داعش”، وفي كل غارة يسوى بها عدد كبير من المنازل بينما الضحايا هم من المواطنين السوريين.
ثالثًا: تمزيق محور المقاومة الذي يسميه حلف التآمر بالهلال الشيعي الممتد من إيران فالعراق ثم سوريا وحزب الله، واستئصال الرئة السورية حتى لا تتنفس بها كل من طهران والمقاومة اللبنانية، في الوقت الذي تعاني فيه الرئة العراقية من أمراض التدخل العسكري والسياسي والإرهابي لتحالف كيري الذي يبدو أنه يريد التقدم خطوات أكبر بعزمه إقامة قواعد عسكرية في العراق وفي أربيل للذريعة ذاتها وهي محاربة ما يسمى “داعش”. ومن ناحية أخرى إبعاد الدب الروسي من المياه الدافئة ومن آخر موئل له في سوريا وكذلك الحال مع الصين.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التصعيد الأميركي بتجاوز القرار 2170 وخرق القانون الدولي ودخول بريطانيا وهولندا وبلجيكا وغيرها في تحالف كيري، ما كان له ليكون لولا أبقار البترودولار التي أعدت نفسها للحلب، كما يبين مدى الشراهة والأفواه المتعطشة لامتصاص أضرع تلك الأبقار، وهذا ما يفسر أيضًا التصريحات الأميركية والبريطانية بأن الغزو الجوي للمنطقة سيطول لسنوات بدعوى أن القضاء على تنظيم “داعش” سيستغرق سنوات، ويفسر كذلك ما أعلنه تشاك هيجل وزير الدفاع الأميركي أن هذه الغزوة يحتاج تمويلها (500) مليار دولار.
لكن في المقابل ماذا أعد الحلفاء في المعسكر الآخر المستهدف وأعني به سوريا وروسيا وإيران والصين وحزب الله لمواجهة هذا الخرق للقانون الدولي الذي بدأت تتضح معالمه أكثر فأكثر ليطول مواقع الجيش العربي السوري؟ في اعتقادي لن يقف هذا المعسكر موقف المتفرج وهو يرى عملية التحطيم والقضم للدولة السورية تسير وفق ما خطط لها المتآمرون، ومن الوارد أن تأتي ردات الفعل على النحو الآتي:
أولًا: إن موسكو تدرك الأهمية الاستراتيجية لسوريا بالنسبة إلى روسيا، وأنها آخر بقعة دافئة لها في المنطقة، وسقوط دمشق ـ لا سمح الله ـ سيعني بداية النهاية لروسيا ودورها ليس في المنطقة وإنما في العالم، ولذلك من العبث بمكان أن لا يكون لتلك السفن الحربية المحملة بالأسلحة والطراد “موسكفا” حامل الصواريخ المتطور جدًّا والتي وصلت قاعدة طرطوس السورية دور دفاعي عن سوريا. ومن الوارد أن تلجأ موسكو إلى عمل مشابه لما قام به الاتحاد السوفيتي سابقًا بنصب صواريخ نووية في كوبا والذي عرف بأزمة الكاريبي أو خليج الخنازير ونصب صواريخ بالستية في سوريا. ولعل ما قاله منذر سليمان مدير مكتب قناة الميادين في واشنطن بأن مسؤولًا روسيًّا في السفارة الروسية رفض الكشف عن هويته أكد أنه إذا طالت ضربات التحالف الجيش السوري فإن موسكو ستزود دمشق بصواريخ فائقة القوة والدقة، وسنكون أمام أزمة صواريخ جديدة. ومن المحتمل أيضًا أن روسيا بوتين قد جهزت سيناريوهات أخرى للرد في أوكرانيا ودول البلطيق حيث غالبية الناطقين بالروسية والمنحدرين من روسيا.
ثانيًا: أن تتحرك المقاومة اللبنانية إذا ما استهدف الجيش العربي السوري تجاه كيان الاحتلال الصهيوني، بدخول الجليل الأعلى من ناحية، ومن الجولان السوري المحتل من ناحية أخرى، بإسناد ناري صاروخي من حزب الله ومن سوريا.
ثالثًا: في معادلات استراتيجية البقاء والأمن القومي بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وللمقاومة اللبنانية أن تساوي سوريا كيان الاحتلال الصهيوني؛ أي تحطيم سوريا يقابله تحطيم الكيان الصهيوني. أضف إلى ذلك أنه من غير أن تسقط عواصم ومدن عربية على النحو الذي رأيناه في صنعاء. فهل يا ترى سنشهد حربًا إقليمية وربما عالمية أم تسويات كبرى؟

إلى الأعلى