الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / دور القطاع الخاص في تعزيز الأمن الوطني (1 /2)

دور القطاع الخاص في تعزيز الأمن الوطني (1 /2)

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. إن كنا وللأمانة الوطنية نؤكد على أن هناك مؤسسات وشركات عاملة في القطاع الخاص الوطني وخصوصا تلك المؤسسات الدولية العابرة للقارات تقوم بدورها على أكمل وجه تجاه تعزيز أمن وسلامة وتنمية الوطن والمجتمع، فإنه ـ وللأسف الشديد ـ هناك العدد الأكبر من تلك المؤسسات العابرة للقارات والوطنية منها لا يساهم في تحقيق ذلك الحق الوطني ولا حتى جزء مقبول منه،”
ــــــــــــــــــــــ
(… من غير المقبول أن يكون هناك انطباع لدى بعض المواطنين بأن القطاع الخاص يعتمد على ما تقدمه الدولة وأنه لا يسهم بدور فاعل في خدمة المجتمع ودعم مؤسساته وبرامجه الاجتماعية وأنه لا يهدف إلا إلى الربح فقط ولا يحاول أن يرقى إلى مستوى من العمل الجاد يخدم به مجتمعه وبيئته ووطنه ….. إن القطاع الخاص مطالب بالعمل على إزالة هذا الانطباع من الأذهان واتخاذ خطوات عملية مدروسة وناجعة في هذا الشأن بزيادة إسهاماته في التنمية الاجتماعية ومشاركة الحكومة بهمة وعزم في تنفيذ سياساتها في هذا المجال والعمل يدا بيد مع مؤسسات المجتمع المدني التي تنشط في ميدان الخدمات الاجتماعية والإنسانية )…..الخطاب السامي للسلطان قابوس ـ حفظه الله ـ في مجلس عُمان 12 نوفمبر 2012.
كما عد القطاع الخاص طرفا مهما من أطراف الإنتاج الثلاثة في هذا الوطن، فإنه كذلك يعد طرفا مكملا ومهما للغاية من أطراف المنظومة الوطنية المساهمة في المحافظة على الأمن والاستقرار الوطني الشامل، انطلاقا من أمن الأفراد أو الإنسان وليس انتهاء بالأمن الوطني والقومي للسلطنة، وعلى ذلك فإن أي خلل أو تقصير أو تهاون في الحرص على تحقيق ذلك الهدف على أكمل وجه انطلاقا من تلك الغاية، يشكل خطرا وتهديدا لأمن واستقرار وتنمية هذا البلد.
ونجد حرصا على الإشارة والتأكيد على هذا الجانب وأهميته في النظام الأساسي للدولة، وذلك في المادة (11) المتعلقة بالمبادئ الاقتصادية حيث تؤكد تلك المادة على ان (الاقتصاد الوطني أساسه العدالة ومبادئ الاقتصاد الحر، وقوامه التعاون المثمر بين النشاط العام والنشاط الخاص، وهدفه تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ورفع مستوى معيشة المواطنين وفقا للخطة العامة للدولة وفي حدود القانون)، لذا فإن القطاع الخاص في السلطنة يتحمل على عاتقه جزءا لا يتجزأ من مسؤولية المحافظة وتعزيز الأمن الوطني واستقرار البلد من خلال الدور الأساسي الذي يلعبه في تعزيز الجانب الاقتصادي والإنساني الذي يهدف في نهاية المطاف لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج الوطني ورفع مستوى معيشة المواطنين، وبالتالي رفع مستوى الأمن الوطني الشامل أو التقليدي.
وكما يعد الربح حقا من الحقوق المشروعة للمؤسسات وشركات القطاع الخاص في السلطنة، فإن العمل على تحقيق الربح فقط دون المساهمة في التنمية الوطنية والمحافظة على الأمن الوطني من خلال واجبات القطاع الخاص تجاه الوطن والمواطن والتي هي كذلك حق من الحقوق الأخلاقية والقانونية والدستورية الوطنية والدولية الواجب التأكيد عليها والحرص على تحقيقها من جانب ذلك القطاع للدولة والعاملين بذلك القطاع والمجتمع بأسره، يعد تقصيرا لا يمكن قبوله أو السكوت عنه أبدا.
وهو ما تم التأكيد عليه في الخطاب السامي لجلالة السلطان قابوس ـ حفظه الله ورعاه ـ في مجلس عُمان بتاريخ 12 نوفمبر 2012م، حيث قال جلالته وأكد على أنه: من غير المقبول أن يكون هناك انطباع لدى بعض المواطنين بأن القطاع الخاص يعتمد على ما تقدمه الدولة وأنه لا يسهم بدور فاعل في خدمة المجتمع ودعم مؤسساته وبرامجه الاجتماعية وأنه لا يهدف إلا إلى الربح فقط ولا يحاول أن يرقى إلى مستوى من العمل الجاد يخدم به مجتمعه وبيئته ووطنه.
وان كنا وللأمانة الوطنية نؤكد على ان هناك مؤسسات وشركات عاملة في القطاع الخاص الوطني وخصوصا تلك المؤسسات الدولية العابرة للقارات تقوم بدورها على أكمل وجه تجاه تعزيز أمن وسلامة وتنمية الوطن والمجتمع، فإنه ـ وللأسف الشديد ـ هناك العدد الأكبر من تلك المؤسسات العابرة للقارات والوطنية منها لا يساهم في تحقيق ذلك الحق الوطني ولا حتى جزء مقبول منه، وبالتالي يدفع باتجاه التقصير في واجبه الوطني تجاه الوطن والمجتمع، والإخلال بمنظومة الأمن الوطني من ذلك القبيل، وهو ما يجب على الحكومة العمل على متابعته والحرص على تحفيزه في ذلك القطاع من خلال التوعية أولا، وفرض القوانين المنظمة والضابطة لتحقيق لذلك الحق الوطني في حدود القانون ثانيا.
وإذا كان القطاع الخاص يحرص بشكل دائم ومستمر على المطالبة بحقوقه القانونية في الاستقلالية والحرية الاقتصادية والتجارية والاستثمارية وعدم تدخل الدولة في شؤونه سوى في حدود القانون، فإن ذلك الحق الذي ضمنته القوانين الوطنية والدولية كونه جزءا مهما للغاية من حقوق الارتقاء بمؤسسات المجتمع المدني في الدولة الحديثة، وهو ما تحرص عليه السلطنة، فإنه كذلك ملزم قانونيا ودستوريا وأخلاقيا وكذلك واجب وطني عليه استنادا إلى نظام المنفعة الوطنية المشتركة، وتشاركية وطنية في التنمية الوطنية بجميع فروعها واتجاهاتها المساهمة البناءة في خدمة الوطن الذي يستثمر ثرواته وينتفع بخيراته ويعمل فيه أبناؤه.
و(لا تزال نظريات التجارة الحرة وتقسيم العمل الذي وضعها علماء الاقتصاد أمثال ادم سميث وديفيد ريكاردو في القرن الثامن عشر والتاسع عشر من العوامل المحددة للنشاطات والممارسات الاقتصادية حتى يومنا هذا، وقد اقر سميث بنفسه ان نظرية اقتصاد السوق الحر لا يمكن ان تعمل بصورة ملائمة إلا في مجتمع تسوده الدوافع الأخلاقية، وفي هذا السياق كتب ملتون فريدمان في مجلة نيويورك تايمز في عددها الصادر في 13/سبتمبر /1970م، ان مسؤولية الشركات هي تجميع اكبر قدر ممكن من الأموال مع الالتزام بقواعد المجتمع الأساسية المتضمنة في القانون والأعراف الأخلاقية).
وبالتالي فإن على شركات القطاع الخاص التزامات أخلاقية ووطنية يجب ان يحرص ويلتزم على تحقيقها بشكل كامل وتام، وتلك الالتزامات كما سبق واشرنا لم تخترعها السلطنة أو قوانينها الداخلية، ولكنها التزامات أخلاقية دولية أقرتها المعاهدات والمواثيق الدولية والأممية، حتى إن الأمم المتحدة وحرصا منها على تحقيق تلك الأهداف أنشأت لجنتها الخاصة المعنية بالشركات عبر ـ الوطنية ـ والتي قامت حتى العام 1977م بتنسيق المفاوضات حول قواعد سلوك تلك الشركات لولا أنها وللأسف الشديد قد تأجلت نظرا لبعض التطورات السياسية التي طرأت في نهاية السبعينيات من القرن الماضي.
وفي كتاب الأمن الإنساني ـ دور القطاع الخاص في تعزيز امن الأفراد الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تعرفها مفوضية الاتحاد الأوروبي ـ نقصد ـ مسؤولية القطاع الخاص الأخلاقية والإنسانية في دولة الاستثمار: بأنها منهجية تقوم الشركات بموجبها الاهتمامات الاجتماعية والبيئية في نشاطات أعمالها، وفي تعاملاتها مع أصحاب المصلحة فيها وذلك على أساس تطوعي، وباعتبار حوكمة الشركات قسما فرعيا من مسؤولية الشركات، فهي توجز طرق ووسائل إدارة الشركة بنجاح مع حس من المسؤولية والالتزام الأخلاقي، كما تعد المسؤوليات الخاصة بتعزيز حقوق الإنسان والسلام احد جوانب مسؤولية الشركات التي تشملها عبارة “الأمن الإنساني والشركات”.
وهنا نطرح السؤال التالي: ما هو الدور الأخلاقي والإنساني المطلوب تحقيقه أو الالتزام به من قبل مؤسسات وشركات القطاع الخاص العاملة بالسلطنة انطلاقا مما سبق ذكره، أكانت تلك المؤسسات والشركات عابرة للقارات أو هي مؤسسات أو شركات وطنية؟ ونجيب عن ذلك بشكل مختصر من خلال الشراكة الوطنية في تحقيق حقوق الإنسان في السلطنة: فالسلطنة ممثلة في الحكومة موقعة على العديد من المعاهدات والقوانين والمواثيق الدولية التي تحرص على حماية حقوق الإنسان الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبما ان مؤسسات القطاع الخاص هي جزء من منظومة المجتمع المدني ومؤسساته العامة والخاصة، وتتشارك في تحقيق الاستقرار والأمن الوطني من خلال تعاطيها مع المجتمع والمواطنين بشكل دائم ومباشر ومستمر، فإنها ومن ذلك الباب تتشارك والحكومة بشكل وان كان غير مباشر في تلك الالتزامات الدولية والوطنية.
فعلى سبيل المثال ان ما يقع من انتهاكات وتجاوزات حقوقية إنسانية على اليد العاملة الوطنية والوافدة في تلك المؤسسات يلعب دورا كبيرا في تقويض أسس الاستقرار والأمن الوطني والتنمية الوطنية، والذي تتحمله الدولة بشكل مباشر أمام المجتمع الدولي بوجه عام وأمام أفراد المجتمع بمختلف فئاته وشرائحه بوجه خاص، وعليه وضعت القوانين المنظمة للمحافظة والحرص على تحقيق أسس العدالة وحقوق الإنسان في ذلك كقوانين العمل والصحة والسلامة المهنية والنقابات العمالية وتنظيم الاستثمار وحماية المستهلك وما إلى ذلك.
لذا يجب التوعية بذلك المفهوم الإنساني والأخلاقي والواجب الوطني الذي يلزم القطاع الخاص انطلاقا من عدة جوانب ومسؤوليات دولية ووطنية أخلاقية منها وإنسانية وقانونية مشاركة الحكومة والمجتمع المدني في تحقيق الأمن والرخاء الإنساني في مؤسساتها والالتزام بحقوق الإنسان والمساهمة في التنمية الوطنية من خلال تحقيق الأمن الوظيفي للأيدي العاملة الوطنية والوافدة والمساهمة في التنمية العمرانية للبلد ورفع دخل الفرد والمساهمة في الخدمات الاجتماعية والإنسانية كالجمعيات الأهلية والمجمعات السكنية والتجارية وما إلى ذلك من بواعث توطيد الأمن الوطني والاستقرار والطمأنينة الاجتماعية والاقتصادية، وهو ما سيعود عليها بشكل رئيسي بالمنفعة والفائدة والربح المضاعف، من خلال بيئة وطنية مستقرة ومنتجة وآمنة للاستثمار الناجح.

إلى الأعلى