السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. دكتاتورية الجغرافيا

باختصار .. دكتاتورية الجغرافيا

زهير ماجد

تحكمنا ديكتاتورية الجغرافيا بكل حلاوتها احيانا وقساوتها أحيانا أخرى .. كلما حاولنا التحايل عليها وقعنا اكثر فيها .. وكلما ازددنا شوقا للإفلات من قبضتها تجيء صفعتها التي صارت قدرا لا يمكن الخروج منه.
كما نعرف كان الجنرال الفرنسي الكبير شارل ديغول لا يتحدث بالسياسة الا اذا كانت الخرائط أمامه.. لم يكن ذلك من باب العلم، بل من باب ما تحسمه الجغرافيا وما تفعله ديكتاتوريتها وما تؤثره. حتى انه لما زار الصحافي العربي محمد حسنين هيكل الأمين العام لحزب الله في بيروت دار الحديث السياسي حول خرائط وضعت امامهما.
مشكلتنا التي هي أم الأزمات ان شخصية تركية لها حلم السلاطين تريد شراء سلطاتها من خلال التلاعب بالعالم العربي وخصوصا ذلك القطر العربي الصامد على حدوده وأعني سوريا. هذا العثماني اردوغان الذي يملأ الغضب رئتيه بعد سقوط محمد مرسي في مصر، صار ايضا ملاكما تخرج اللكمات القاسية من قبضات يديه ضد مصر تحديدا، فيما يملأ المسرح السوري بكل المكونات الإرهابية .. فكيف السبيل اذن إلى الخروج من المستنقع العثماني الذي لنا في بلاد الشام تحديدا ذكريات أليمة معه وكان اكبر الاسباب في تخلف المنطقة وفي انقباض روحها، وفي تمتعها بالصبر الذي هو استسلام حين تمكن هذا العثماني من كسر الارجل وتفتيت العضلات والاعصاب.
اما الإسرائيلي فمشكلتنا معه انه الأصعب والأكثر تنوعا .. فإضافة إلى التكاره بينه وبين محيطه العربي، فإنه جلاّب لقوى متعددة تقدم له العون والنصرة كيفما فكر وتأمل. فهو اذن كيان بعدة رؤوس وكيانات، ونادرا ما كان لوحده حتى لو رأيت كل قيادته يتمنعون عن العالم لأسباب أو بلا سبب. وهذا الاسرائيلي عنصري، قاتل، همجي، مثله مثل كل التنظيمات الارهابية التي من المؤكد انها اشتقت عنه، او هي قلدت تاريخه الاسود للدخول إلى عالمنا كما دخل وبالطريقة ذاتها. كل الهمجيين والبرابرة لهم السمة ذاتها ويتوحدون في الكثير من المشاهد المشتركة، سواء بالنشأة او بالتاريخ الملحق لها.
اذا كان التركي والاسرائيلي الصديقان المقترعان على دماء العرب يشكلان تلك الظاهرة الجغرافية المتحكمة برقاب اهل المنطقة، فإن هنالك ايضا جغرافيا متحركة تقبض على مفاصل تلك المنطقة، تقرر مصيرها، وتتحكم بسياساتها، وتنمي الروح التي تشاؤها لها، واعني بها التواجد الاميركي الموزع في منطقتنا، اضافة إلى قواه الجوية والعسكرية المتحركة في البحار. وهذه الجغرافيا المتنقلة اختراع حديث يتم من خلاله نقل جغرافيا بعيدة إلى النقطة المرجوة، وعلى اساسها حدث الكثير من التدخل في المنطقة سواء بطريقة مباشرة كإنزال الجيوش الاميركية وعملية الاحتلالات بطريقة غير مباشرة.
تاريخ الأمم اذن هو ما تعنيه الجغرافيا في مسيرتها منذ ان بنيت وحتى لحظة انطفاء الأرض. لا مهرب من دكتاتورية الجغرافيا التي هي تأبيد دائم لا مناص منه ، والا لما شاهدنا ما تفعله تركيا بسوريا تحديدا منذ العدوان عليها، وما تفعله اسرائيل منذ انشائها ككيان مصطنع بمحيطها والعرب عموما وبالمنطقة ايضا. انه لعب جغرافي، تصدير الخوف من الآخر إليه عبر تعابير مختلفة عسكرية وسياسية واقتصادية وخلافه. وبالجزم القول انه قد لا تأتي الفرصة للإخلال بالنظام الجغرافي الا اذا غيرت الأرض شكلها الحالي.

إلى الأعلى