الإثنين 16 سبتمبر 2019 م - ١٦ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / الرئيس ترامب وسياسة حافة الهاوية
الرئيس ترامب وسياسة حافة الهاوية

الرئيس ترامب وسياسة حافة الهاوية

يمارس الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه الأيام سياسة حافة الهاوية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وذلك لحل العديد من الصراعات التي يدخل طرفا مباشرا فيها، والمتابع لأزمة بناء الجدار على الحدود المكسيكية وما شهدته من تهديدات وصلت لدرجة الإغلاق الحكومي المتكرر والتهديد بإعلان حالة الطوارئ وإعلانها بالفعل من أجل استكمال التمويل المطلوب لعملية البناء، يكتشف خطر تلك السياسة وانعكاساتها السلبية على مصالح الدول والشعوب، خصوصا وأن ترامب يمارس أقصى درجات الضغط والتصعيد لتحقيق مكاسب خاصة، مع إيهام الخصم بأنه يأبى التنازل أو الرضوخ ولو أدى ذلك لاجتياز الحافة الخطر، ومع ضعف الخصوم وترددهم وتفرقهم وعدم قدرتهم على المواجهة ينجح ترامب في الحصول على ما يريد في نهاية المطاف.
فالمتتبع لسياسة ترامب تجاه العديد من القضايا يلحظ أنه يطبق نفس السياسة وإن بأساليب وطرائق مختلفة، وقد تكون قراراته تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خير دليل على اتباع تلك السياسة، فعلى عكس كل رؤساء الولايات المتحدة السابقين، كان الرئيس ترامب أول رئيس يعتمد نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وأول رئيس يعترف بسيادة إسرائيل الكاملة على هضبة الجولان السورية، وأول من يقطع المعونات عن الشعب الفلسطيني، ويغلق مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية بالولايات المتحدة، إلى غير ذلك من قرارات كارثية تعكس سياسة حافة الهاوية التي يتبعها مع الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية من أجل تمرير ما يعرف بصفقة القرن التي يتم الترويج لها منذ فترة طويلة وتم تحديد فترة ما بعد عيد الفطر لإعلان تفاصيلها.
وتتكرر نفس السياسة الآن مع إيران، فبعد الانسحاب الأميركي المنفرد من الاتفاق النووي مع إيران، قامت الإدارة الأميركية بإحكام الحصار المفروض على الجمهورية الإسلامية لدرجة باتت تنذر بخطر كبير، خصوصا بعد منع صادرات النفط والحديد والعديد من المنتجات الإيرانية الأخرى، ليس هذا فحسب، بل وبعث ترامب بحاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” ومجموعة سفن قاذفة إلى الخليج العربي، لفرض المزيد من الضغط على طهران من أجل التوصل لاتفاق جديد بشأن برنامجها النووي، وتنفيذه للشروط الاثني العشر التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو والتي تقضي بسحب سلاح الميليشيات الشيعية العراقية، ووقف دعم إيران لجماعة الحوثي وطالبان والقاعدة وغيرهم، ووقف التهديدات الإيرانية لإسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين.
وتطبق نفس السياسة في الحرب التجارية التي يشعلها ترامب مع الصين، فبالرغم من الإعلان عن التوصل إلى تفاهمات مشتركة مع الصين بشأن العديد من قضايا الخلاف التجاري، إلا أن الإدارة الأميركية عادت وفرضت المزيد من الرسوم على المنتجات الصينية، وقد اعتبر ترامب أن العجز الذي يشهده الميزان التجاري الأميركي سببه حسب العديد من تصريحاته “السفهاء والناس غير الكفوئين الذين يمثلون الولايات المتحدة” وذلك في إشارة إلى رؤساء الولايات المتحدة السابقين. ويأتي موقف ترامب على عكس الموقف الصيني الذي يتبع سياسة النفس الطويل مع الولايات المتحدة، ويحاول أن يجاريها دون تصعيد الصراع إلى نقطة الصفر خوفا على المصالح الصينية، وإن كانت تلك السياسة يحبها ترامب لأنها تدفعه لفرض المزيد من الضغوط على الصين وغيرها مع تأكده من إذعان الآخرين في نهاية المطاف.
وعلى الرغم من خطورة تلك السياسة على الصعيدين الداخلي والخارجي، إلا أنه حتى الآن لم نجد من يقف في وجه الرئيس ترامب ويمنعه من استخدام تلك السياسة لتنفيذ رؤاه وتحقيق مصالحه، وإن كان الاستثناء الوحيد حتى الآن يتمثل في الشعب الفلسطيني الذي يواجه بصدور عارية ما يعرف بصفقة القرن غير عابئ بسياسة حافة الهاوية ولا بغيرها من السياسات التي يفرضها ترامب وشركاؤه من أجل القضاء على حلم الدولة الفلسطينية، الأمر الذي يتسبب في تأجيل تلك الصفقة من فترة لأخرى حتى الآن، ما يعني أن مواجهة تلك السياسة الخطرة ليس مستحيلا، وإنما تحتاج إلى تكاتف كبير ما بين القادة والشعوب لمواجهة تلك السياسات وغيرها، والثقة بأن ترامب في حال وجد ممانعة تضر بمصالحه وبمشاريعه في المنطقة فسوف يتوقف عن اتباع تلك السياسة وسوف يلجأ إلى البحث عن بدائل أخرى قد تكون أكثر قبولا من سياسة حافة الهاوية.

د.أسامة نورالدين
كاتب وباحث علاقات دولية
Onour95@gmail.com

إلى الأعلى