الخميس 27 يونيو 2019 م - ٢٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الأندلس.. صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (5ـ12)

الأندلس.. صراع الأفكار والمشاعر والمشاهد (5ـ12)

سعود بن علي الحارثي

برشلونة ج2
اللغة الرصينة والبليغة والشرح الدقيق المفصل لكل معلم من معالم المدينة، تاريخ بنائه والغرض منه، والمراحل التاريخية والتطورات التي مر بها، والدلالات التي يحملها كل جزء من أجزائه، وإلى أي فترة تاريخية ينتمي، والمهندس المعماري الذي أعد تصميمه… بهدف توثيق وتبجيل العلماء من الفنانين والمفكرين والمعماريين والسياسيين، والتاريخ والتراث، والتقدم الذي تشهده إسبانيا في مختلف المجالات، والترويج بكل اقتدار لإسبانيا سياحيا، تقدم للسائح في برشلونة والمدن الإسبانية الأخرى بثماني عشرة لغة منها العربية في الحافلة السياحية التي تكلف تذكرتها ٣٠ يورو، وفي ظل الازدحام الهائل وعشرات الحافلات السياحية التي تجوب المدن والأماكن السياحية فلنتخيل حجم الدخل من السياحة؟ إنه عالم يتفوق علينا بأشواط في الاستثمار السياحي والقطاعات الأخرى، إنه العالم المنتمي إلى القوة الاقتصادية المتقدمة في كل شيء وحق لهم ذلك بالتخطيط والعمل والبناء المحكم للمستقبل. انطلقت بنا الحافلة السياحية من (الحي القوطي)، وأقدمها في المدينة إذ يعود تاريخه إلى القرن العاشر الميلادي، وأقيم على أنقاض معالم رومانية ـ فكنيسة (ساريا ماريا ديل مار) ـ حوض الأسماك وهو موطن لعشرات الأنواع منها يقدم للسائح تجربة فريدة بالمشي والفرجة على الأسماك في نفق تحت الماء ـ مرفأ السفن البحرية الذي يستقبل في حدود سبعة ملايين سائح في العام ـ مركز أبحاث الطب الحيوي، الذي يعد الأكبر في منطقة جنوب أوروبا ـ المدينة الأولمبية التي بيعت مبانيها وأراضيها بعد اختتام الألعاب الأولمبية في ١٩٩٢، لإقامة مشاريع سكنية ـ مدينة الثقافات والمعارف الحضارية ـ ساجرادا كنيسة العائلة المقدسة والتي تعد من أضخم كنائس أوروبا ـ مركز عرض فن (الفلامنكو)، الموسيقى الإسبانية الأشهر والتي تصور (الحزن والاكتئاب كتعبير عن الظلم الاجتماعي ومشاق الحياة)، والذي سجلته اليونسكو ضمن التراث العالمي، هذا إلى جانب عدد من الحدائق والمقابر والأحياء والمعالم وحلبات المصارعة والمستشفيات القديمة التي ترعاها اليونسكو والمصانع الحديثة، إنها مدينة برشلونة التي تنبض بالحياة وتعج بالنشاط في الليل والنهار، وكانت الأعلام الكتالونية وشعارات المطالبة بالانفصال عن إسبانيا ترفرف في المباني والأماكن العامة يلحظها الزائر والمتجول في كل مكان .
برشلونة عاصمة إقليم كتالونيا، المدينة الصاخبة التي لا يجهلها إنسان على وجه البسيطة، ليس الاقتصاد ولا التاريخ ولا الموقع الاستراتيجي ولا إنجازاتها الحضارية ولا شخصياتها العلمية والأدبية… هي التي أبرزت مكانتها ورفعت من شأنها فقط بحيث أصبحت اسما لامعا في سماء الدنيا تهتف به الألسن في ملاعب كرة القدم والمقاهي والساحات والمجالس وحتى في الغرف الخاصة، إنها كرة القدم التي ألهبت وما زالت حماس الجماهير في كل مكان، وجذبت إليها الأضواء، وشغلت العالم، وتستثمر فيها الأمم المتقدمة فتجني من ذلك الاستثمار الشهرة والمال والقوة والجذب السياحي، وقد نجحت إسبانيا أيما نجاح في هذا المجال، وتمكنت الأندية الإسبانية من استقطاب الجماهير وتشجيع أبرز الأندية فيها وفي مقدمتها نادي برشلونة الذي تميز بالاحترافية في الملاعب وفنيات لاعبيه. إن (السطوة الاقتصادية والإعلامية والرياضية لبرشلونة وريال مدريد العالمية والإرث التاريخي للمعركة السياسية)، جعلهما في المراكز الأولى متابعة جماهيرية وجذبا إعلاميا وشهرة عالمية. لقد حمل برشلونة (النادي) المحترف، الذي تحول إلى رمز لـ(لثقافة والقومية الكتالونية)، برشلونة المدينة على جناحيه محلقا بها في سماء العالم، لتهتف بها ملايين الألسن حول المعمورة مؤمنين ومحفزين ومشجعين لاعبيه الموهوبين، فقد تأسس هذا النادي في العام ١٨٩٩ على يد (مجموعة من اللاعبين من أربع جنسيات سويسرية وإنجليزية وألمانية وإسبانية)، فهو بحق (أكثر من مجرد ناد). إنها ساحرة العقول والقلوب التي تلهب المشاعر وتوحد الثقافات والجنسيات على حبها، لم نعطها نحن العرب حقها من التقدير، ولم نلتفت كثيرا لاحتضان وتأهيل المحترفين في هذا اللعبة العالمية التي تكتسح شعبيتها المدن والدول، ولم نفلح في الاستثمار في هذا القطاع الحيوي الذي تمكن من الإسهام بقوة في الاقتصادات الأوروبية. فعلى سبيل المثال لا الحصر (جنى برشلونة مبلغ 146.2 مليون يورو مقابل 140.1 مليون يورو حصدها ريال مدريد)، في عوائد بث مباريات الدوري الإسباني عن موسم 2016 و2017 حسب البيانات الصادرة من رابطة أندية الدوري الإسباني. وطوال السنوات الماضية يتنافس كل من برشلونة وريال مدريد في السيطرة على (حصة الأسد في عوائد البث التلفزيوني والتي وصلت إلى نحو 1246.7 مليون يورو). وفي تقرير نشرته جريدة لوسيل في أبريل العام الماضي أشار إلى أن (La Liga) لا ليجا وهو (الاسم الرسمي لبطولة دوري الدرجة الثاني الإسباني) (تدعم نمو الاقتصاد الإسباني)، ومن المتوقع أن تبلغ مساهمتها حوالي (2%) من إجمالي الناتج المحلي الإسباني في 2019، وتقدر تلك المساهمة بنحو( 18 مليار يورو سنويا، من إجمالي نحو 1.2 تريليون دولار حجم الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا).
لذلك واستثمارا لفرصة وجودنا في برشلونة فقد اختار بعض أصدقاء الرحلة مرافقة الصديق العزيز بدر المعمري ـ الذي لا يرى فريقا أكثر براعة واحترافية من فريق برشلونة، فهو أحد مشجعيه البارزين وعاشق لكرة القدم ونجومها اللامعين ـ لزيارة ملعب (كامب نو)، الذي افتتح في عام ١٩٥٧م، ويتسع لحوالي ١٠٠٠٠٠ متفرج، مما يضعه ضمن أكبر ملاعب كرة القدم في أوروبا، وحضور مباراة فريقي برشلونة وإسبانيول، فلكرة القدم وملاعبها وتاريخها ولاعبيها المحترفين حضورها القوي وجماهيرها الواسعة، وهي جزء أساسي من الثقافة الشعبية وتخدم السياحة والاقتصاد، ما يؤكد على قوة الاقتصاد في هذه الدول ومساهمة جميع القطاعات في تنويع مصادر الدخل، بما فيها القطاعات الثقافية المهملة في بلادنا مثل الرياضة والسينما والدراما والمسرح والطباعة والنشر، والتي تسهم بشكل جيد في الناتج المحلي وتخدم قطاعات أخرى مثل السياحة، فكل قطاع يرفد الآخر .

سعود بن علي الحارثي
Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى