الإثنين 16 سبتمبر 2019 م - ١٦ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : كان غدا!

باختصار : كان غدا!

زهير ماجد

ترك الشاعر المصري الراحل صلاح جاهين شعرا كثيرا مبثوثا في أغنيات وطنية، من أبرزها تلك التي تغنيها أم كلثوم “ثوار”، حيث يقول في المقطع الأخير “تعالوا يا أجيال يا رمز الأمل/ من بعد جيلنا واحملوا ما حمل” .. جاهين قصد جيل الستينيات والخمسينيات، فما باله لو كان ما زال حيا ليرى عذاب الأجيال العربية اللاحقة لكلامه.
تلك الأجيال التي يقصدها قارعت ما يسمى بالاستعمار ثم الصهيونية وانكبت على التجربة الذاتية في محاولة للتخلص من التبعية وتثبيت دعائم الاستقلال الذاتي، إلا أن الأجيال الحالية تم رميها في تجارب أقسى قضت على ظواهر عربية عديدة، بل دمرت عمرانا قائما منذ سنين، وقتلت الآلاف وهجرت الملايين، وأصابت نفوسا شابة وطفولة بريئة، بل نكاد نقول إن أكثر من جيل عربي تم تدميره، ووضع أسئلة البحث عن مستقبله في قائمة المجهول المخيف.
تطور العبث بالأجيال العربية لإنهاء أي وجه مضيء فيها، بل للقضاء حتى على أحلامها وكل خيال ممكن .. تلك سوريا مثلا التي لم تتخلص من أزمتها ومن التحديات المريرة التي ذاقها أكثر من جيل، وتلك العراق التي حفرت الأزمات في عقول العراقيين، وهذه ليبيا التي يبحث فيها الليبيون عن دولة .. ومن ثم اليمن السعيد الذي قدم للعالم عذابات لم يعرفها إلا في أقلام متخيلة، وكما يقال فإن الحبل على الجرار، حيث الأزمات ما زالت، بل نحن خلال هذه الأيام نعيش واقعا مأزوما ساعة بساعة وربما دقيقة بدقيقة قد يؤدي إلى كارثة مروعة.
عندما نتذكر نحن الجيل الذي يقصده الشاعر جاهين ما مر في عبث الماضي العربي، نكاد نقول إنها المقدمات الأولية للإجهاز على الأمة، أما اليوم فنؤكد أنها التنفيذ الفعلي لمسيرة من خبرات غربية أميركية وإسرائيلية وبعض عربية لتغيير مسارات بكاملها، والأهم إنهاء القضية الفلسطينية، وغدا سنكون أمام تجارب أدهى وأصعب وأشد مرارة، فوجود إسرائيل في المنطقة لن يسمح للعرب الخلاص من أزمات متتابعة مصيرية، وجدت إسرائيل في المنطقة لهذه الغاية، وهي تلعب الدور الذي يجعلها سيدة المكان، وصولا إلى تزعمه، وقد وصلت في بعضه إلى غاياتها حتى الآن، علما أن البعض يعتبر حرب العام 2006 بينها وبين حزب الله قد نسف آمالا إسرائيلية بتحقق غاياتها، وأن متغيرا استراتيجيا قد تحقق سوف يبنى عليه واقع جديد لن تكون فيه إسرائيل قادرة على البقاء في المنطقة، هكذا هو التصور.
عندما يقارن مثلي وأنا ابن جيل الشاعر جاهين ما بين ماضيه ذاك وحاضره هذا، سيكون عليه أن يتنهد لما وصلته الحال .. الأصعب على جيلنا المقارنة بين ما كان وبين ما صار، إضافة إلى السؤال الذي لا يجيب عليه كثير من الكتاب لغرقهم في واقع الأزمات القائمة، وهو مستقبل الأمة .. التخبط والتشويش الذي يرافق عقلنا العربي حاليا، طبيعي، لكنه يخلو من قراءة القادم من الأيام والسنين .. لن تفك المنطقة العربية من مخالب أميركا لسنوات طويلة، من أجل إسرائيل والنفط وشرايينه، تلك الدولة العظمى فعلت من أجل الكيان الإسرائيلي كل ما طلبه منها جهابذته، ولن تتوقف عن الفعل إلى أن تتحقق الغاية الإسرايلية التي نشك بوصولها إليها رغم كل المحاولات الأميركية، بعدما تطور كثيرا عصر آخر عنوانه المقاومات .. ولهذا لن يتوقف الصراع وسيأخذ أشكالا مختلفة، وسيشتد وستتطور معانيه.

إلى الأعلى