الأحد 25 أغسطس 2019 م - ٢٣ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : المواطن وفرضية إنتاج حلول الواقع وتحسينه

في العمق : المواطن وفرضية إنتاج حلول الواقع وتحسينه

د. رجب بن علي العويسي

يطرح عنوان المقال جملة من الموجهات والفرضيات حول أثر الموقع الذي يشغله المواطن في منظومة العمل الوطني، والقوة التي يدير بها حركة التغيير، والتأثير الذي يحدثه في صناعة الواقع الوطني، في التعامل مع معطيات التحول المستمر التي يشهدها العالم عامة والحالة العمانية بشكل خاص، خصوصا في بعدها الاقتصادي وتأثيره على الحياة المعيشية والاجتماعية للمواطن وانعكاساته على مواطنة المواطن وانتمائه الوطني وولائه وهويته، وما تتطلبه هذه المرحلة من عمق في قراءة المشهد الوطني العام، ومهنية في استقراء ما يريده المواطن في سبيل بلوغ مهمته وتحقيق رسالته الوطنية، والممكنات التي يحتاجها في سبيل الاستجابة لهذه المعطيات والتكيف معها وقدرته على الوعي بالمفاهيم والمضامين التي تحملها، ونقله من كونه منفذا لسياسة الواقع بكل ما تحمله من جوانب قوة أو غيرها، وبما ينتج عنها من تشوهات في الممارسات وانحرافات في السلوك أو عدم استيعاب لمجريات الفعل الوطني نفسه أو إدراك حيثياته والإحاطة الواسعة بالمبررات والغايات الوطنية العليا، لتنعكس على ضعف ممارساته وعقم الأداء وزيادة تعقد الإجراءات وزيادة مستوى الامتعاض وعدم الرضا في التعاطي مع بعض القوانين وتدني في مساحة التواصل والأخذ بالرأي الآخر؛ إلى أن يكون المواطن جزءا مهما من معادلة التغيير وإنتاج الحلول وابتكار الأدوات وصناعة التجديد وتوليد البدائل وخلق فرص أكبر للاستثمار في الفرص الوطنية ومساحات المرونة والأمان المتاحة للمواطن في امتلاك مسارات أخرى لقراءة الواقع في ظل نواتج الخبرة والممارسة والتجربة والمواقف التي عايشها بما يضمن له القوة في التطبيق والريادة في الممارسة، وحجم التأثير المتوقع أن يؤسسه في التعاطي مع متطلبات الواقع والاستجابة الفورية له، لما يمثله في معادلة بناء قوة الوطن وإنتاجيته، فهو من جهة الحلقة الأقوى المعول عليها تنفيذ سياسة الواقع، كما يجب أن يمتلك أنموذج الكفاءة في إنتاج حلول وبدائل تحسينية للواقع الذي يعيشه، بمعنى أن عليه أن لا ينتظر كل شيء على الجاهز بدون أي إضافة؛ بل أن يملك فرص توظيف واستثمار الواقع لإنتاج البدائل وتحسين الأدوات.
لذلك لم تعد مسألة مواطنة المواطن في تقديرنا الشخصي مجرد علاقة عابرة، أو حالة وقتية مزاجية يؤمن بها حينما تتجه الطموحات والآمال لصالحه دون غيره، أو مجرد اختزال لمفهوم الحياة في ظلال الوطن وفق مقاييس الربح المادي، إذ كل هذه العلاقات المبتورة القائمة على المصالح الشخصية والامتيازات الفردية لن تستطيع العيش في مجتمع تتشابك فيه المصالح وتتعدد فيه الأفكار والتوجهات، لذلك لن تكون مواطنة المواطنة حاضرة في ظل قناعات أحادية وأمزجة شخصية ورغبات ذاتية وأفكار تستهدف تقديم تنازلات قد تتجافى مع أولويات الوطن وغاياته الكبرى، بل في جوهر عملها قائمة على مزيج من التناغم والتكامل والتفاعل في مشتركات الإنجاز وتحقيق مسارات التكامل في فهم معطيات الواقع وتحليله ودراسته للوصول إلى رؤى مشتركة وآليات تتفاعل مع المعطيات وتستجيب للتحديات وتترك بصمة تأثير لها في الواقع، بما يمكن أن تصنعه هذه العلاقة التكاملية النابعة من حميمية العلاقة بين المواطن ومتعلقات وطنه بكل تفاصيله ورموزه وحدوده وقيمه ومبادئه وأخلاقه من تكوين أنموذج للإنسان المواطن الواعي بكل الأحداث، في أي موقع وتحت أي مسمى وظيفي يمثله، لأنه يستشعر عمق الوطن في النفس وعظم الأمانة والمسؤولية التي يحملها وحجم الرسالة التي يمثلها، وصدق الإرادة وسمو الذات في أن يمارس دوره بكل مهنية ويؤدي رسالته بكل إخلاص فيرقى في أسلوبه ويرتقي بممارساته ويحفظ وده لوطنه ويعي مسؤولياته ويدرك حقوقه وواجباته، فتصبح حميمية التناغم وعمق الشعور نحو الوطن وحالة الوفاق المستمرة التي يؤمن بها المواطن نحو وطنه بدون النظر إلى الممارسات الفردية أو تعميم الزلات الشخصية والهفوات البينية الحاصلة، مدخلا لبناء الروح المعنوية الدافعة للإنجاز للوصول به إلى أعلى سقف التوقعات وأبعد سماوات الإجادة في الممارسة، وعندها تتحول معادلة بناء مواطنة المواطن من فرض سياسة الأمر الواقع الذي يضع المواطن أمام كونه منفذا للسياسات ملزما بالتطبيق الحرفي؛ إلى تحمل المسؤولية بشأن نتائج عدم تطبيقها واستشعاره بما يمكن أن يترتب على عمليات التنفيذ والتطبيق عندما تفتقر للجودة والإخلاص والإتقان ومراقبة الضمير والحس المسؤول، وما ينتج عن عدم الشفافية والوضوح من انتكاسة على منظومة العمل وزيادة مستوى الهدر في الممارسة ونشوء حالة مربكة في الأداء ناتجة عن زيادة فاقد العمليات المتكررة نتيجة لتراكم الخطأ وكثرة الامتعاض والسلبية والتهور.
وبالتالي ما يتطلبه هذا المشروع الحضاري في بناء المواطن، من جهد وطني في كيفية نقل المواطن نفسه إلى مرحلة الشعور بالوطن كقيمة مضافة في حياته وأولوية إنسانية وأخلاقية لا يمكن أن يستعيد في غيرها عافيته وأمنه ويحقق نجاحه وتميزه، لذلك يجب التعامل معها بوعي والتعاطي مع واقعها بمهنية، بعيدا عن الاندفاعات الشخصية أو التفكير النمطي أو غلبة المشاعر الجياشة، أو الخوف من ما يصنعه الرأي الآخر من فرص أكبر للتغيير والبحث عن الأفضل في ظل قلة الخيارات المتاحة ومحدودية البدائل المناسبة نظرا لقلة مشاركة المواطن نفسه في صناعتها وإنتاجها، وباتت مسألة تقييم هذا السلوك تتطلب توفير نماذج عمل وبناء قدرات وطنية أكثر وعيا ونضجا، وتصحيح العديد من الممارسات والمفاهيم، وعمقا في التأمل وصدقا في التوجه وترسيخا للمسؤوليات وبناء ضمير المواطن، وصناعة الوطن في الوجدان، وتأطيره في خلجات النفس ونمط التفكير، وتقوية الممكنات الفكرية والنفسية والقانونية وتوفير مساحات الأمان والتمكين والاختيار والعدالة والمبادرة والوعي والإيجابية في شخصية المواطن والخطاب الموجه إليه بحيث يستشرف فيه مصداقية العمل الجمعي نحو تحقيق فقه الوطن عقيدة وسلوكا وثقافة وممارسة وأسلوب حياة.
بالإضافة ما يعنيه ذلك من أهمية استشعار الموقع الذي يشغله المواطن في منظومة العمل الوطني والقيمة المضافة التي يشكلها في استراتيجيات الأداء الوطنية، ليس فقط في منظومة عمل المؤسسات؛ بل أيضا في مواقع العمل والمسؤولية الاجتماعية الأخرى، وجملة المعطيات التي ينبغي أن يدركها وتتيح له فرص بناء الثقة على تحقيق أولويات الوطن من خلال موقعه، والتزامه المسار الذي يجد فيه فرصته لتقوية مساحات الابتكار والتحليل والتأمل لديه في ظل اختيار وقناعة، وفي المقابل طبيعة الدور الآخر الذي تقوم به المؤسسات وموقع المواطنة فيه فكرا ومفاهيم وعقيدة وإطار عمل، بمعنى إلى أي مدى تستهدف ممارسة المؤسسات والإطار الذي تعمل فيه والنمط الإداري الذي تمارسه في منظومة الأداء، تكوين مواطنة المواطن وترسيخ استمرارية منظومة القيم والأخلاق والمبادئ الموجهة لتحقيق العدالة والمساواة والإنسانية، بالشكل الذي يضمن قدرتها على التكيف مع متطلبات الوطن والاستجابة لاحتياجات المواطن وترقية هذه الاحتياجات لديه، بحيث تمثل جهود المؤسسات منطلق للاستثمار في مواطنة المواطن، بما يعني في الوقت نفسه الحاجة إلى ضبط هذه الجهود وتوحيدها وتقييمها ورصد موقع المواطن فيها، وتعزيز مسارات التنسيق والشراكة والتكامل بينها، بالشكل الذي ينعكس إيجابا على قناعة المواطن وهويته وأولوياته وشعوره بالانتماء والولاء لوطنه وقيادته، فيسخر قدراته من أجل وطنه، ويعزز مهاراته في إحداث التحول في مسارات الإنتاج وتحقيق الأهداف والغايات الوطنية العليا، فكونه موظفا وصاحب مهنة ومشروع اقتصادي وتجاري أو غيره فهو أولا وأخيرا صاحب رسالة وطنية لها مبادئها وأخلاقياتها، ومهمة أصيلة عليه أن يعمل على تحقيقها بكفاءة عالية، وممارسة رصينة، وثقافة راقية، ومنهج سليم يمتلك فيه مدخل التأثير والاحتواء على حد سواء.
من هنا كان علينا في ظل المتغيرات الحاصلة ورد كل الشبهات التي تثار حول موقع المواطن في كل هذه الجهود المبذولة والخطط والمشروعات الوطنية المنجزة في مختلف المجالات الاجتماعية والخدمية والاقتصادية والشرطية والصحية والتعليمية والأمنية، التأكيد على أهمية توفير منصات حوارية وبرامج تواصلية أكثر وآليات عمل مشتركة مع المواطن تتسم بالمهنية والريادة والثقة، في الإجابة عن التساؤلات المطروحة وفهم الموجهات التي تعمل في إطارها، في ظل اعتراف بالحاجة إلى التكامل الوطني لبلوغ الأهداف بحيث يتقاسم الجميع رسم ملامح التحول وبناء نهضة الأداء، وأن توجه الجهود وفق سياسة الفريق الواحد والتفكير الاستراتيجي الجمعي في رصد وتبويب القضايا الوطنية وتحديد أولوياتها، والتعاطي مع الإشكاليات الناتجة عنها، بما يسهم في بناء سياسات وطنية أكثر نضجا بما تتيحه من فرص حضور متكافئة لكل شرائح المجتمع وفئاته للوصول إلى حلول واضحة، تأخذ بكل الآراء وتستفيد من كل التوجهات، وتؤسس لقرار وطني استراتيجي يتسم بالجرأة والقوة والفاعلية والتأثير، ويمتلك مساحات واسعة للمرونة والاستثناءات والديناميكية عندما يتعلق الأمر بمصالح المواطن العادي وعيشه الكريم، فإن في واقعنا الوطني اليوم الكثير من القضايا التي باتت تتطلب في إدارة ملفاتها هذا التناغم بين المواطن والسياسات الوطنية، مثل: التعليم والتشغيل والتنويع الاقتصادي والأيدي العاملة الوافدة والقطاع الخاص ومسارات الاقتصاد الوطني وقضايا الجريمة والأمن الاجتماعي والأسرة والباحثين عن عمل وغيرها، والتي باتت تفرض واقعا جديدا على المواطن أن يكون حاضرا في رسم ملامحه.
ويبقى الحديث في عمق مواطنة المواطن وقدرتها على الاستمرارية والاعتماد عليها في إدارة متطلبات المرحلة الحالية والقادمة والاستجابة للتغيرات الحاصلة في المنظومة الاقتصادية وتأثيرها على الواقع الاجتماعي ووعي المواطن، الرهان في تحقيق معادلة التوازن بين دور الموطن في ظل منظومة عمل وطنية فاعلة وبين كفاءة ما يقدمه من مسارات المشاركة وآليات الطرح والعمق في تناول موضوعات وقضايا التنمية، في ظل وجود الإرادة التي تصنع القوة في رأي المواطن وتحتكم إليه وتعمل على نهضته واستقراره في القرار الوطني، وإشعار الحكومة بجديتها في الاستفادة من كل ما يطرحه المواطن عبر منصات التواصل الاجتماعي أو عبر منصات التواصل الرسمية التي أنتجتها: رؤية عمان 2040 ودور المجالس البرلمانية، واللجان المشتركة مع الحكومة، والمجالس البلدية وغيرها في تعميق هذه المسار، لضمان كفاءة الطرح وعمقه واستراتيجيته بحيث تشكل الجهود الوطنية الداعمة للحوار والشراكة منطلقا لبناء الثقة وتعزيز الحميمية وفرص التقارب التي تصنعها البرامج والمشروعات والخطط مع أولويات المواطن واستجابتها لاحتياجاته وقدرتها على امتصاص الشحنات الإيجابية فيه وترقيتها وتمكينها من الظهور لخدمة الوطن والمواطن واحتواء الأفكار السلبية والقناعات التي باتت تبثها فيه مساوئ الواقع أو شغف التغيير ورغبة تحقق الطموح؛ من أجل مواطن يتميز بانتمائه الصادق لوطنه، وارتباطه الوثيق بأرضه، وشعوره بمسؤولياته نحو رموزه وقياداته، في مواجهة تشويه الصورة الذهنية للمواطن والموقع الذي يشغله في منظومة بناء الدولة.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى