الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تحية الإسلام

تحية الإسلام

عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: سَمِعتُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:(حَق المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ خَمسٌ: رَدُ السلاَمِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدعوَةِ، وَتَشمِيتُ العَاطِسِ) (رواه مسلم، رقم: 2162)، والمعنى العام للحديث: إن سلَّم عليك أخوك المسلم فرُدَّ عليه السلام، وإن مرض فعُده، وإن مات فشيّعه، وإن دعاك إلى طعام فأجبه، وإن عطس فحمدَ الله فشمّته.
إن أول حق من حقوق المسلم رد السلام، فالسلام تحية الإسلام، وهي تحية طيبة مباركة تتضمن معاني الأمن والسلم، ومعاني التقدير والاحترام، ومعاني الاهتمام والرعاية، فالسلام كلمة مشتقة من الإسلام، فـ(السين واللام والميم) هي الأصل في الكلمة، إن إلقاء السلام سُنّة، ورده واجب، يقول الله تعالى:(وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء ـ 86).
والسلام من أسماء الله تعالى الحسنى، يقول الله تعالى:(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر ـ 23)، والجنة دار السلام، يقول الله تعالى:(والله يدعو إلى الدار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (يونس ـ 25)، والسلام تحية أهل الجنة، يقول الله تعالى:(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد 23 ـ 24)، ويقول سبحانه:(دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس ـ 10)، ويقول جل شأنه:(تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) (الأحزاب ـ 44)، ويقول سبحانه:(لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) (الواقعة 25 ـ 26).
والحقيقة كلمة (السلام) تعني السلامة أي السلامة من كل أذى، السلامة من كل ضرر، السلامة من كل ما يؤلم الإنسان، تعني السلامة بكل أنواعها: سلامة الدين، وسلامة النفس، وسلامة العقل، وسلامة العرض، وسلامة المال، فإذا قلت لإنسان: السلام عليكم فأنت تدعو له بكل أنواع السلامة، وهو دعاء طيب مبارك، فمن شعار المسلم أنه يبدأ الناس بالسلام، ويسلّم على من يعرف وعلى من لا يعرف، ويستخدم الصيغة القرآنية الشرعية في السلام، وهي السّلام عليكم وتمامها ورحمة الله وبركاته، هذه هي صيغة السلام الشرعية التي أمرنا بإلقائها وردها، فعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ:(أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَشْرٌ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عِشْرُونَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلَاثُونَ). فعوَّد نفسك ـ أيها المسلم ـ أن تسلّم على كل إنسان من تعرفه ومن لم تعرفه، وكذا عوَّد أهلك على ذلك، فإفشاء السلام من الأمور التي رغّب فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) وحثَّ عليها، لما له من فوائد عظيمة ومنافع جليلة وآثار طيبة، فإفشاء السلام يذهب الوحشة بين الناس، وهو مظنة المودة والمحبة بينهم، وقد جاء في الأثر: أبخلُ الناسِ من بَخِلَ بالسلامِ، لقد كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ حريصين على إلقاء السلام حتى أن بعضهم يمشي مع أخيه، فتعترض طريقهما شجرة فيتفرقان في المشي، فإذا التقيا ثانية سلّم أحدهما على الآخر، وعن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلّم عليه، وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورق الشجر).
ومن آداب السلام أن يُسلِّم الصغير على الكبير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والقادم على من بالمجلس، وكذا من يغادر المجلس يُسلِّم على من هو في المجلس، يقول رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):(إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الْآخِرَةِ)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم):(لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:(وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي). ومع هذا كله إن نجد أن هناك من المسلمين من لا يهتم بإلقاء السلام ولا برده، وخاصة فئة الأبناء، فيمرون ولا يسلمون، ويدخلون ولا يسلمون، ويركبون ولا يسلمون، وإذا دخلت عليهم تجدهم مشتغلين بهواتفهم يستمعون وينظرون ويقرؤون ويتابعون ما يصل إليهم من هنا وهناك وهنالك؛ وكأنهم يعيشون في عالم آخر، وفي عزلة عن المحيطين بهم أو القادمين عليهم، أو المارين بهم، فإن سلمت عليهم فلا أحد منهم يرد عليك السلام، وهذه غفلة وجهالة، وهناك من يستبدل صيغة السلام الشرعية بكلمات أو عبارات أخرى هي ليست من السلام الشرعي، بل ربما في بعضها ما يتنافى وتعاليم الإسلام، وهذه غفلة وجهالة وتهاون، وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة في تربية الأولاد (ذكورًا وإناثًا) على إلقاء تحية الإسلام وردها بصيغتها الشرعية، وحثهم عليها.

إلى الأعلى