الثلاثاء 12 نوفمبر 2019 م - ١٥ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / حروف المعاني في آيات الصيام ودورها في الترابط الدلالي «8»

حروف المعاني في آيات الصيام ودورها في الترابط الدلالي «8»

.. وقد عُرِّفت بـ(أل):(المساجد) لبيان مكانتها، وكِبَرِها، واتساعها، واستيعابها لكثير من المصلين، والمعتكفين، ثم خُتمت الآية بهذه الجملة الاسمية التي تحمل عظمة التشريع، وقدسية الأحكام، وخطورة عدم الالتزام بها، فقالت:(تلك حدود الله)، وما دامتْ حدوداً لله فهي مَصُونةٌ، لا تُمَسّ، ويأتيها المسلمُ موقِّرا ملتزِما، لا يكابر، ولا يناقش، ولا يجادل، كبيتٍ حُدِّدَ بحدود، فله حرمته، ومكانته، فما بالك إذا كانت حدودًا لله، القوي، العزيز، الجبار، المنتقم، الذي له وحده حقُّ التشريع، والتكليف، والإلزام.
والإضافة هنا (حدود الله) للتشريف، وبيان مكانة تلك الحدود، والتعليمات، والضوابط الشرعية، والأحكام الدينية التي أنزلها الله عزوجل، ولذلك قال:(فلا تقربوها)، ولم يقل:(فلا تعتدوها)، ولفظ الحدود في القرآن الكريم يُطلق على أمرين اثنين، الأول:على المحرّمات، فيحرُم الاقتراب منها، ويجب اجتنابها والابتعاد عنها، قال الله تعالى بعدما نهى المعتكفَ عن مباشرة النّساء:(وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) (البقرة ـ 187)، فمجرّد المباشرة حرّمها الله تعالى على المعتكف؛ لذلك قال:(فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، والثانيأنه يُطلَق على المباحات حتّى لا يتجاوزها العباد، قال تعالى وهو يتحدّث عمّا يُباح في الطّلاق، ولا يتعدّاه المطلِّق:(فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا) (البقرة ـ 229).
فالمباح يجوز فعلُه، بشرط ألاّ يتجاوز الحدَّ في ذلك، فيقع فيما نهى الله عزّ وجلّ عنه لذلك قال بعد ذلك:(فَلَا تَعْتَدُوهَا)، فسمِّيت هذه المباحات حُدودًا إشعارًا بأنّها غايةُ ما يباح للمسلم، فلا ينبغي له أن يتعدَّى حدَّه، فيقع في الحرام لذلك كانوا يقولون:(إنّنا لنترك سبعين بابًا من الحلال، خشية أن نقع في باب واحد من الحرام)، وغيرُ خافٍ على المتأمل المتهدِّئ الناظر، غير المتعجل أن النهيَ عن القُربان أبلغُ من النهي عن التعدِّي؛ وذلك لأن النهي عن (القربان) يفيد أن ثمة حاجزًا وفاصلًا بين المكلِّف، وبين الفعل المنهيِّ عنه، أما النهي عن (التعدِّي)، فلا يفيد هذا المعنى، بل غايةُ ما يفيده هو النهيُ عن فعلِ شيء معين، بغض النظر عن المسافة التي تفصل بين المكلف، والفعل المنهي عنه.
قال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف، فخرج من المسجد، جَامَعَ إن شاء، فقال الله تعالى:(ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد، ولا في غيره، وكذا قال مجاهد، وقتادة وغير واحد من أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية.
ولا شك أن النهي هنا عن القربان والتعدِّي على (حدود الله) هو في المحصِّلة طلبٌ للمكلّف بألا يفعل ما هو خلاف مقصود الشرع فيما أمر به أو نهى عنه، فالفعلان يشتركان في معنى واحد هو حظر مخالفة ما جاء به الشرعُ، بيدَ أنهما يختلفان في أمر غيرِ خافٍ شأن ذلك ـ كما سلف ـ على المتأمل الواعي،حيث تضمنت الآية نهيًا عن مباشرة، وإتيانِ النساء في أثناء الصيام، وفي أثناء الاعتكاف في المساجد، وقد غلَّظ الله سبحانه هذا الوعيد بالنهي عن مقاربة ذلك، وشدَّدَ بالابتعاد عنه، كما حذَّر من مقدِّماته، ودواعيه؛ لئلا يقع المكلَّف في الحرام من حيث لا يشعر، فاقتضى ذلك المبالغة في النهي عن اقتراف تلك المنهيَّات، وعبَّر عن ذلك بقوله:(فلا تقربوها) إذ ما كان منهيًّا عن فعله تمامًا كان النهي عن قربانه أبلغَ، والحديث الذي يتناغم ومعنى:(فلا تقربوها) في القرآن الكريم هو قوله (صلى الله عليه وسلم):(الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما شُبِّهَ عليه من الإثم، كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشكُّ فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حِمَى الله، ومَنْ يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه) (حديث متفق عليه)، وخلاصة القول في:(فلا تعتدوها)، و(لا تقربوها) أن المتأمل في كلا اللفظتين (فلا تقربوها)، و(فلا تعتدوها)، يجد أن كل لفظ منهما قد جاء بما يناسب السياق الذي ورد فيه؛ ليدل على معنى يناسب ذلك السياق، ويوضح بجلاء لم كان مجرد الاقتراب داعية إلى الوقوع في الحرام؟، وأن السياق الآخر يختلف تمامًا عن سياق التذييل الأول، وهذا من أميز، وأخصِّ سِمات القرآن الكريم على كثرتها، وتنوعها، لكن اختلاف السياقاتِ هو المتحكم، وهنا لطيفة تتأتَّى في سرد الاعتكاف بعد الصيام، وبين آياته، وأحكامه وذلك لبيان أهمية الاعتكاف، وملازمة بيوت الله في مواسم الطاعة.

إلى الأعلى