الأحد 17 نوفمبر 2019 م - ٢٠ ربيع الاول ١٤٤١ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مع نبي الله يوسف ـ عليه السلام «2»

مع نبي الله يوسف ـ عليه السلام «2»

قال تعالى:(تلكَ آياتُ الكتابِ المُبين) أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن المبين أي: الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها، (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون): أنزل الله هذا القرآن وهو أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف المرسلين سفارة أشرف الملائكة وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض وابتدىء إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان فكُملَ من كل الوجوه، وسبب نزول هذه الآية الكريمة عن عبدالله بن عباس قال:(قالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا ؟ فنزلت (نحن نقص عليك أحسن القصص) وقبل أن أتكلم عن سورة يوسف أقدم للسورة مقدمات ما عدد آياتها وكلماتها؟ وما عدد حروفها؟ كم مرة ذكر اسم يوسف ـ عليه السلام ـ في القرآن؟ ومتى نزلت؟ ولماذا نزلت كاملة ولم توزع على باقي السور؟ عدد آياتها (111) آية، وعدد كلماتها (1776) كلمة، وعدد حروفها (7166) حرفاً، أما متى نزلت فإنها نزلت على النبي (صلى الله عليه وسلم) في عام يُسمى (عام الحزن) وسمي بذلك لأن أبا طالب قد مات والسيدة خديجة قد ماتت في نفس العام وبموتهما فقد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نصيرين مؤزرين يمثل كل منهما الحماية الخارجية والداخلية وقد اتجه إلى الطائف يدعو الناس لعبادة الله فرفضوا الإيمان به وبدعوته وسلّطوا صبيانهم ومجانينهم فضربوه بالأحجار حتى دميت قدميه (صلى الله عليه وسلم)، وعندئذٍ يرفرف الأمين جبريل ـ عليه السلام ـ بسورة يوسف ـ على نبينا وعليه الصلاة والسلام ـ ليكون في سورة يوسف صبر جميل. وذكر اسم يوسف في القرآن ست وعشرين مرة، ذكر في هذه السورة أربع وعشرين مرة، وذكر في سورة الأنعام مرة، وذكر مرة في سورة غافر فيكون المجموع ستاً وعشرون مرة، ولماذا نزلت سورة يوسف كاملة لأنها بدأت برؤيا وانتهت بتفسير الرؤيا فلم يرضَ ربك أن يقطع الطريق بين الرؤيا وتفسيرها لأن من رأى رؤيا تشتاق نفسه إلى بيانها ولذلك جمع الله بين الرؤيا في أولها تفسيرها في آخرها (نحن نقص عليك أحسن القصص) هذا خطاب من الله والله يتكلم بضمير العظمة ويخاطب خير خلقه وهو النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وبين محمد وبين يعقوب آلاف السنين ولكن الله يطوي الزمان طيّاً ويلخص الصبر تلخيصاً والمعنى: نحن نحدثك يا محمد ونروي لك أخبار الأمم السابقة بأصدق كلام وأحسن بيان، (بما أوحينا إليك هذا القرآن) أي: بإيحائنا إليك هذا القرآن المعجز وتبدأ هذه القصة استيقظ يعقوب ـ عليه السلام ـ ذات يوم وإذا بابنه يوسف الذي كان غلاماً لم يتجاوز العاشرة إذا ينفرد بأبيه يعقوب ويقول له:(يا أبتِ إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) رؤيا واضحة كفلق الصبح ولكنها من غلام لم يبلغ الحلم ولم يجر عليه القلم، وكان يوسف أراد أن يزيد المعنى توكيداً، فكرر الرؤيا كان يستطيع أن يقول إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين ولكنه كرر قوله:(رأيتهم لي ساجدين) كرر (رأيتهم) ليؤكد المعنى في نفس أبيه فليس معنى كونه غلاماً أن لا يرى بل الله يختص برحمته من يشاء ملك الملوك، و(يا أبت) هذا خطاب، فالتاء فيه للتعظيم والاحترام وأنتم عندما تقرأون الرؤى في القرآن ترى أن يعبرون عنها بأسلوب الحال أو الإستقبال قال سيدنا إبراهيم:(إني أرى) ولم يقل: (رأيت في المنام أحد عشر كوكباً)، لأجل أن يقول لك الله إن هنا فرقاً بين هذه الرؤيا وبين جميع الرؤى أن جميع الرؤى وقعت من رجال بالغين من السنه مبلغه، أما هذه الرؤيا فجاءت من غلام لم يبلغ الحلم لا صنعة له في التعبير ولا إختراع في الخيال لأنه قلب طفل نقي تقي، و(أحد عشر كوكباً) أخوته ـ عليه السلام ـ فقد كانوا أحد عشر رجلاً، و(الشمس والقمر) هم الأب والأم، ماذا قال له أبوه؟ إن أباه فهم المعنى، وعلم أن لهذه الرؤيا أثراً بعيد المدى فنصحه قائلاً:(يا بُني لا تقصص رؤياك على إخوتك)، لماذا؟ (فيكيدوا لك كيداً) يعني: يحتالون لك حيلة، وهل هناك من الأخوة من يكيد لأخيه نعم، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فكل ذي نعمة محسود)، (إن الشيطان للإنسان عدوٌ مبين) والشيطان ذئب ابن آدم، كما أن الذئب ذئب الغنم والشيطان هو عدونا هو الذي يقف لنا بالمرصاد وأمام أبواب الخير فيعلقها (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث)، لا يعلمك تعبير المنام يعلمك تفسير الكلام يجتبيك ويصطفيك لنبوته ويعلمك تفسير الرؤيا ويتم نعمته عليك بإرسالك والإيحاء إليك، كما أتمها على أبويك إبراهيم الخليل وابنه اسحاق (إن ربك عليم حكيم) أي: هو أعلم حيث يجعل رسالته .. هذا والله أعلم.

إلى الأعلى